محاضرة بعنوان : ” الفلسفة وتطورها التاريخي”

محاضرة بعنوان : ” الفلسفة وتطورها التاريخي”

لمسئول الدائرة الثقافية المركزية بالجبهة الرفيق غازي الصوراني

النص الكامل لمحاضرة مسئول الدائرة الثقافية المركزية في الجبهة الشعبية الرفيق غازي الصوراني حول” الفلسفة وتطورها التاريخي”، والتي ألقيت في اللقاء الفكري مع الرفاق في الروابط المهنية والكادر في  منطقتي غزة الغربية، وخان يونس، نهاية تموز 2009.


بداية اشير إلى أن انتماؤكم ايها الرفاق لجبهتكم الشعبية هو موقف فلسفي اتجاه كافة القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية المطروحة من قبل القوى السياسية بمختلف أنواعها ومنطلقاتها … انه الموقف الفلسفي النقيض لكل الرؤى والسياسات والبرامج الصادرة عن تلك القوى … كما أن موقفكم أو رايكم ووجهة نظركم حول قضايا الصراع ضد العدو الصهيوني الامبريالي هو موقف فلسفي إلى جانب كونه ممارسة كفاحية ونضالية أيضاً، وكذلك الامر بالنسبة لموقفكم اتجاه النظام العربي والصراع الداخلي الانقسامي بين فتح وحماس هو موقف فلسفي بالدرجة الأولى … وبنفس الدرجة فإن موقف أي منكم اتجاه أي قضية في مجتمعنا او خارجه هو أيضاً موقف فلسفي … والسؤال الآن هو ما هي الفلسفة إذن ..؟ سأحاول تقديم عدد من الاجابات الوافية لهذا السؤال… وأبدا بالحديث عن التعريف التقليدي للفلسفة الذي ينص على أن الفلسفة ليست حبا للحكمة .. إنها حب المعرفة.. وهي موقف الإنسان مما حوله ، الإنسان اللامبالي هو سلبي أو مستسلم للظلم الوطني والاجتماعي أو لاي شكل من أشكال الاضطهاد .


أما التعريف العام، فهو ينطلق من كون الفلسفة أحد أشكال معرفة الإنسان للعالم ، هي شكل من أشكال الوعي الاجتماعي إلى جانب العلم والفن والسياسة والدين و الأخلاق.. أو هي : مجموعة من النظرات الشاملة إلى العالم والطبيعة والمجتمع والإنسان عبر التلازم الجدلي بين العام والخاص .


ووفق هذه الرؤية، فإن الفلسفة هي الوسيط المنطقي بين العلم والثورة، وبالتالي فإن وظيفتها المساهمة في تزويدنا بالنظرات الجديدة والشاملة التي يفترض بناء الإنسان الطليعي بها، ووضوح البناء الأيديولوجي الذي يحدد مسار الإطار الطليعي من جهة وسمات أو طبيعة وشكل النظام السياسي – الاجتماعي الذي يفترض بالنسبة لنا في الجبهة، أن ننتهي إلى إقامته من جهة أخرى.


وهي ايضاً –وهذا هو المهم- نشاط فكري واعي وطليعي يقوم به المثقفين عموماً والمثقف العضوي المنظم في حزبنا/جبهتنا خصوصاً من أجل تغيير وتجاوز هذا الواقع المأزوم والمهزوم الذي نعيشه اليوم.


إلى جانب ما تقدم، فإن جرامشي يرى أن الفلسفة نشاط فكري تلقائي يقوم به الناس العاديون تعبيراً عن تصوراتهم العفوية للعالم .. نجد هذه الفلسفة أو المواقف العفوية في أشكال مختلفة في اللغة والدين الشعبي والمعتقدات والرؤية الخاصة والسلوك والفولوكلور، والسؤال هنا: كيف نستطيع التفاعل والتواصل مع هذا الوعي العفوي للارتقاء به وصولاً إلى التشابك السياسي والمعرفي مع أهداف وبرامج حزبنا/وجبهتنا ؟


إننا نبتغي المساهمة في نشر ثقافة الحوار كواحدة من وسائل شعوبنا لمعالجة قضايانا الرئيسية في التحرر والديمقراطية و التنمية، وامتلاك سبل التقدم والحرية.

وأولى ميزات الحوار الجريء أن يجري فيه طرح المشكلات الحقيقية، والأسئلة الموضوعية، والوقفة النقدية الصارمة للأخطاء، والبحث عن الحلول الواقعية والفاعلة، وعن الإجابات الصحيحة والعقلانية، لأن أفضل ما يمكن أن يحققه رأي أو فكرة ما، هو تحريك العقل وإثارة الحوار بين الناس، وحفز التفكير للمساهمة في حل المشكلات.وإضافة خبرة إنسانية جديدة.


فالحوار لا يوفر فرصة معرفة الآخر فحسب، بل يؤمن معرفة الذات أيضاً، ، فالفكر الجاد يعدُّ أفكاره حواراً مع المجتمع وبحثاً عن الإجابات والاستنتاجات المحكمة.


وتفترض ثقافة الحوار اختيار الحوار العقلاني، وتجنب سلوك الكراهية والخصومة والإثارة وتضخيم عيوب الآخرين، والرغبة في الانتصار والهيمنة. ونبذ أسلوب التآمر.


وحزبنا كسائر الأحزاب الشيوعية والعمالية ، يجب أن تجري بين أعضائه حوارات مفتوحة حول تجديد الفكر الماركسي على ضوء الممارسة التطبيقية في الحياة وظروفها المتغيرة والمتحركة، ولكن ليس بمعنى الخضوع لوقائعها، بل بهدف تغييرها، وإعادة تشكيلها بصورة أفضل لصالح الإنسان وحريته.  فلا أفكار نهائية بل نسبية وآنية مع الحركة.


متى تصبح الأيديولوجيا مفسدة للحوار؟: (عندما تتحول إلى اعتقاد ديني، إذ يصبح لدينا مرجع يمتلك الحقيقة المطلقة).


الحزب، أي حزب في العالم، يقوم على وجود عقل جمعي، وهو شرط أساسي، لكن الآخر، كأنا، كذات، غير موجود في وعينا على المستوى الفردي، بصورة مؤثرة وموضوعية ومترابطة مع الوعي الجمعي عبر الديمقراطية والحوار الداخلي في حزبنا، فالموجود هو العقل الجمعي او القيادي الفوقي بهذه الدرجة أو تلك، وبالتالي فإن تأسيس ثقافة الحوار (داخل المجتمع او داخل الحزب) دون الاعتراف بالاستقلال النسبي للأنا أو الذات، مستحيل.


فالوعي المستقر يعني الموت، وما دام العالم متطوراً فإن الوعي الذي يمتلك العالم نظرياً، معرفياً، ينبغي أن يتطور، أن يخضع لتجديد دائم.


إن القيمة الأساسية (الفكرية والسياسية والتربوية والعملية )، من دراسة تاريخ الفلسفة ، تكمن في قدرتنا كحزب على ربط النظرية بالممارسة العملية سواء في إطار التوسع التنظيمي والنضال الجماهيري والوطني والكفاحي أو على الصعيد الاجتماعي والمطلبي المرتبط بالقضايا الحياتية للمواطنين.


إن الالتحاق الطوعي في العمل الحزبي هو شكل متطور للموقف الفلسفي وانتقاله من البسيط إلى الوعي الطليعي .


المهم، الارتقاء بهذا المستوى العفوي –السائد بهذه الدرجة أو تلك حتى اللحظة في حزبنا – لنتخذ موقفاً نقدياً من فلسفتنا اليومية العفوية، بهذا يمكن الانتقال من الامتثال والسلبية إلى الإدراك والوعي والفعل على طريق بلورة الدور الطليعي لحزبنا بصورة ملموسة ومتفاعلة مع الجماهير الشعبية على أرضية الواقع الحياتي (الاجتماعي والسياسي والاقتصادي) الملموس، انطلاقاً من رؤيتنا المستندة إلى المنهج العلمي ، المادي الجدلي، وهو المنهج المستند بدوره إلى وجه الفلسفة المادي.


ذلك إن للفلسفة وجهان: الوجه المادي والوجه المثالي: وكل منهما يحاول الإجابة عن المسألة الأساسية في الفلسفة : علاقة الفكر بالوجود أو علاقة الروح بالطبيعة .. إنه السؤال الخالد أيهما أسبق إلى الوجود؟ الإجابة على هذا السؤال تحدد موقفنا مع المثالية أم مع المادية ومنهجها .


المفكر المثالي : يقول بأن الوعي (أو الفكر أو الروح أو الإله لا فرق)، هو الأسبق على الوجود إنه ينكر أن يكون وعي الناس انعكاساً للواقع الموضوعي (مثالية ذاتية أو موضوعية).


إن المثالية عموماً هي وجهات النظر التي ترى أسبقية الوعي على الوجود، وهذه الأسبقية قد تكون من خلال أسبقية الألوهية أو الأفكار أو الماهيات والجواهر في صنع العالم، أو أسبقية الوعي الفردي.


“إن تبعية الإنسان للطبيعة هنا، وعدم وجود قدرات إنتاجية تحويلية لديه، كانت تقود إلى سيطرة القوى الما ورائية المختلفة، وهكذا فإنه أوجد الرؤى والشخوص المتخصصة في التحكم في هذا الإنتاج الروحي، كشكل أولي سحري من المثالية، أي عبر هذا الوعي الذي يعطي الخارج الميتافيزيقي القدرة على السيطرة على الداخل الإنساني.


لقد أخذت المثالية صيغتها الأولى من السحر والطقوس والأديان البدائية، حيث القوى الغيبية المختلفة تسيطر على بناء الطبيعة، فتهندس الكون وتشكله من خلال المواد الطبيعية والاجتماعية المتاحة لها[1]”.


“هكذا غدت الغيبية الدينية الأم الأولى للمثالية، المدرسة الفلسفية الكبرى فيما بعد، التي ترى أسبقية الفكرة في صنع الوجود، وهذه الأفكار الغيبية نقول إنها نظرات وأفكار مثالية، من حيث إعطائها القوى الفكرية والتصورات العقلية السحرية والأسطورية، الدور الأول في صياغة العالم، لهذا تغدو الأديان مهيمنة على الوعي على مدى آلاف السنين، مع نمط الإنتاج العبودي العام، وبنائه التقني وهو الزراعة[2]”.


إن الشكلين من الدين والفلسفة، هما الشكلان المتميزان الرئيسيان من الوعي المثالي، في المشرق، ويعتبر الدين حجر الزاوية في البناء الفكري، نظراً لارتباطه بالعمليات السحرية في بالوعي والبناء الاجتماعي، وبأشكال جماعية طقوسية، مؤدلجة لحماية الأنظمة العبودية المعممة، والإقطاعية فيما بعد، وحيث تجد القوى الشعبية المعارضة أصواتها الجماهيرية كذلك، في حين إن الفلسفة هي نتاج ثقافي فردي وجماعي لم يظهر في عمليات الطقوس والشعائر السحرية والغيبية، بل عبر الوعي “العقلي” للأفراد والنخب الثقافية والفكرية، ولهذا فهو كنوع نتاج الاستقلال عن البنية الأسطورية والدينية.


ورغم ان الدين هو من تبليغ أو تشكيل أو بناء شخوص محددة هي الأنبياء أو القادة، فإن المصدر الفردي لا يعتبر جوهرياً، فالفرد ذاته هو صوت للغيب، أو للأرواح، فهو رسول القوى ألما ورائية ، مما يعبر عن قوى غير فردية، فيتداخل النسيج الغيبي والأسطوري بالدين، متجسداً عبر مادة تصويرية غالباً، وليس في هذه المادة التصويرية برهان أو تسلسل منطقي، باعتبارها مادة منزلة من السماء، أو باعتبارها نتاج القوى الخفية، فليس هنا أية سببية برهانية متسقة لها.


ولهذا يحدث التمايز هنا بينها وبين الفلسفة، التي تعتبر نتاجاً فردياً عقلياً محضاً، فتتشكل على أساس المنطق والحجج والبرهان، وهذا بحد ذاته يؤدي إلى الصدام بين هذين الشكلين من الوعي.


ان العلاقة بين الدين والفلسفة لا تعتمد على تضادهما الفكري، بل أيضاَ على الصراع الاجتماعي، وبالتالي فإن


الصراعات في البنية الاجتماعية تقود  إلى تفكك المنظومة الدينية الشاملة الوحيدة إلى مذاهب متعددة، تعبر عن النزاعات الاجتماعية والقومية غير المعبر عنها سياسياً، وتتخلق بشكل مذاهب وربما أديان الأقليات المختلفة.


المفكر المادي : هو الذي ينظر إلى العالم المحيط بالإنسان (شمس ونجوم وارض وكواكب و بحار وكائنات حية …الخ) على أنها أشياء موجودة موضوعياً، أي أنها غير مرهونة في وجودها بالوعي البشري، من ناحية أخرى ترى المادية إلى العالم الموضوعي هو عالم سرمدي ، غير مخلوق وانه هو علة وجود الوعي لا العكس (أي انه سبب الوعي ).


وبما أننا في الجبهة ننتمي لهذه الرؤية ، عبر المنهج المادي الجدلي ، فإن الفكر بالنسبة لنا يبدأ حين نشك في كل شيء. الفكر يجب ان يقودنا إلى سؤال: لماذا تخلفنا وتقدم غيرنا؟ ولماذا تتكرر هزائمنا في مقابل انتصار أعداؤنا ؟ لماذا لم تتطور مجتمعاتنا العربية ولم تمتلك حتى اللحظة مقومات العلم والتكنولوجيا ؟ ولماذا لم تحقق أي شكل من أشكال النهوض التحرري أو التنويري العقلاني ؟ لماذا تنتشر كل هذه المظاهر من أشكال التخلف والاصولية المتزمتة غير المستنيرة ؟ لماذا توقف انتاج المعرفة و الفلسفة في الوطن العربي ؟ ما هي الاسباب الجوهرية للدعوات المشبوهة من النظام العربي والسلطة الفلسطينية للتطبيع مع دولة العدو الاسرائيلي والاقرار بشروط الرباعية وغيرها ؟ ولماذا تعثر وفشل حل الدولتين رغم التنازلات السياسية والسنوات الطويلة من المفاوضات العبثية ؟ هنا تكمن أهمية فضح وتعرية الموقف المثالي ، لانه يعبر صراحة عن المصالح الطبقية للقيادة اليمينية المتنفذة ، وكذلك الأمر بالنسبة لتحليلنا المادي لأسباب الانقسام والصراع التناحري المحتدم حتى اللحظة بين فتح وحماس رغم عدم اختلافهما في الجوهر ؟ إنه ببساطة صراع على المصالح الفئوية والحزبية وكلاهما ينطلق في تفسيره ودفاعه عن رؤيته وبرامجه من منطلق الفلسفة المثالية .


لماذا تطغى النزعات الحزبية لحماس او لفتح على حساب المشروع الوطني ومستقبل النضال الوطني كله ؟ وهل تتناقض حركة حماس فعلاً وكذلك حركة الاخوان المسلمين مع النظام الرأسمالي أو الجوهر الامبريالي ؟ ما هي طبيعة المصالح الطبقية للقوى المتنفذة في سلطة الحكم الذاتي في رام الله في علاقتها الرخوة مع العدو الاسرائيلي ؟ أسئلة أو تساؤلات كثيرة لابد لنا من ادراجها للبحث الدائم وصولاً إلى التحليل المنطقي الموضوعي السليم في اجاباتنا عنها … ولعلنا أيها الرفاق نجد في وثائق حزبنا وادبياته وضوحاً ساطعاً في الاجابة على كل هذه الاسئلة بصورة تفصيلية أو عامة دون أن نلغي دوركم أو دور عقولكم واجتهاداتكم في تحليل وتفكيك الظواهر المحيطة بنا وفق منطلقات حزبنا الفكرية.

  • هنا ايها الرفاق تتجلى أهمية وعينا في ممارسة عملية التفكير بصورة عقلانية وموضوعية وفق المنهج المادي الجدلي بعيداً عن التفكير التقليدي أو المثالي.  معنى ذلك بالنسبة لنا في الجبهة أن ننتقد ونبتعد ونقطع معرفياً مع كل الأفكار المثالية الرجعية والتقليدية، وذلك عبر ممارستنا لعملية التفكير بصورة عقلانية وموضوعية إلى أبعد الحدود بعيداً عن التفكير التقليدي من ناحية وبعيداً عن طرق التفكير لدى السلطة أو النظام العربي ولدى التيار الديني بمختلف حركاته أيضاً ، لكي نتوصل إلى الحقائق الموضوعية التي تؤكد عليها وثائق حزبنا.