الاقتصاد الديني‏..‏ والاجتهادات الأكاديمية

الأهرام – 5 مارس 2009

الاقتصاد الديني‏..‏ والاجتهادات الأكاديمية

بقلم: أحمد السيد النجار

شهدت الشهور القليلة الماضية منذ انفجار الأزمة المالية والاقتصادية العالمية‏,‏ إلحاحا ممن يخلطون الدين بالسياسة والاقتصاد علي طرح نموذج الاقتصاد الديني‏,‏ وبالتحديد الاقتصاد الإسلامي كحل لهذه الأزمة‏,‏ مع كم أسطوري من المعلومات التي يطلقها أكاديميون دون أي مستند أو دليل‏,‏ حول تحول العديد من البنوك في الغرب إلي المعاملات الإسلامية‏.‏

والغريب أن هذا الكلام يقال في وقت لم تتجاوز فيه أصول البنوك الإسلامية في الدول العربية وغير العربية‏,‏ نحو‏4,5‏ مليار دولار‏,‏ أي ما يوازي‏0,006%(‏ نسبة مئوية قدرها ستة في الألف‏)‏ من قيمة أصول أكبر ألف بنك في العالم التي بلغت‏74200‏ مليار دولار في نهاية عام‏2007‏ وحتى لو أضفنا كل النوافذ الإسلامية وصناديق الاستثمار والتأمين الإسلامي فان النسبة لن تختلف من إجمالي البنوك وصناديق الاستثمار والتأمين في العالم‏,‏ بل أن أصول بنك‏UBS‏ السويسري التي بلغت نحو‏2‏ تريليون دولار‏,‏ تعادل‏400‏ مرة قدر أصول البنوك الإسلامية مجتمعة‏,‏ وهذا هو الحجم الحقيقي لهذه البنوك‏,‏ التي ينبغي التعامل معها دون مبالغة غير واقعية‏,‏ كما أن الأزمة المالية التي ضربت القطاع المصرفي عالميا قبل أن تنتقل لباقي الاقتصاد‏,‏ شملت كل البنوك بما فيها البنوك الإسلامية المتشابكة في تعاملات ومضاربات بعيدة عن الدين ومبادئه مع كل القطاع المالي العالمي‏.‏

والحقيقة انه ليس هناك شيء يمكن تسميته بالاقتصاد الإسلامي أو المسيحي أو اليهودي أو الهندوس أو البوذي‏,‏ فكل الديانات السماوية والوضعية ظهرت في مجتمعات بدائية تتسم اقتصاداتها بأنها اقتصادات طبيعية قائمة علي الأنشطة الأولية والاكتفاء الذاتي‏,‏ أي اقتصادات ما قبل الصناعة والرأسمالية التي يبدأ اقتصاد التبادل بها‏,‏ وهذه الحقيقة لا ينتقص منها وجود عمليات تبادل هامشية تقوم بها بعض القبائل مثل العبرانيين والعرب‏,‏ لأنها بدورها كانت عمليات تبادل لسلع أولية أو منتجات تقليدية‏,‏ ولا علاقة لها باقتصادات الصناعة والخدمات الحديثة وعمليات التبادل العملاقة والمعقدة التي تحدث بينها‏,‏ ونظام الائتمان المرتبط بها والذي نهض وتطور تاريخيا في مواجهة الربا وفوائده التي كانت تمتص دماء المنتج والتاجر لصالح المرابي‏.‏

وبالتالي فان مشاكل الاقتصاد الراهن بكل تعقيداته وتشابكاته لم تكن موجودة أصلا‏,‏ وبالتالي لم يطرح لها حل أو علاج أو نظريات أو سياسات للتوجيه وإجراءات للتحريك في تلك الديانات‏,‏ وكان من الطبيعي تماما أن تكون الاقتصادات التي تجاوزت مراحل الاقتصاد الطبيعي إلي الاقتصاد الرأسمالي ثم الاشتراكي بعد ذلك‏,‏ هي التي أنتجت النظريات المختلفة حول إدارة اقتصادات الصناعة والتبادل‏,‏ ومن البديهي أن التعامل مع هذه النظريات وما ينطلق منها من استراتيجيات وخطط وإجراءات بالقبول أو الرفض أو التطوير هو أمر طبيعي تفرضه المصلحة الوطنية وضرورات التطور‏.‏

أما القول بأن المرابحة أو المشاركة هي الحل وهي البديل لسعر الفائدة في النظام المصرفي الذي يرونه ربويا فانه قول مردود عليه من الناحية النظرية ومن واقع الخبرة التاريخية‏,‏ فالفائدة هي محفز الادخار‏,‏ ولن تتحول الأموال المكتنزة عديمة الفاعلية إلي مدخرات يمكن توظيفها في تمويل الاستثمار والنهوض الاقتصادي دون هذه الفائدة‏,‏ أو أي فائدة أخرى أيا كان مسماها‏,‏ ومعدل الفائدة يتغير تبعا لحالة الاقتصاد ومعدلات الربح السائدة فيه‏,‏ بما ينفي عنها صفة الثبات القديمة التي يستند إليها البعض في وصفها بالربوية‏,‏ كما أن الجهاز المصرفي المراقب من البنك المركزي ومن الدولة‏,‏ ظهر تاريخيا في مواجهة الربا بما كان ينطوي عليه من أسعار فائدة قاتلة للمنتجين والتجار‏,‏ بصورة كانت تحول فائض القيمة الذي تم تحقيقه في النشاط الاقتصادي إلي المرابي‏,‏ بما يقيد النشاط الاقتصادي ويجعل اقتصاد التبادل يدور في حلقة مفرغة من البطء والركود الطويل الأجل‏,‏ ليبقي الاقتصاد الطبيعي البطيء الحركة والقائم علي الاكتفاء الذاتي هو الحاكم لحركة الاقتصاد لأزمان طويلة‏,‏ أما النظام المصرفي فقد جاء ليحدد أسعار فائدة معتدلة‏,‏ لا تلتهم جهد المنتج أو التاجر‏,‏ وإذا كانت هناك مشاكل في البنوك‏,‏ فان هناك دائما إمكانية لمعالجتها وتطويرها وتغيير أسس عملها بصورة متوافقة مع احتياجات المجتمع والاقتصاد‏,‏ وما تقتضيه مبادئ الحق والعدل‏,‏ علي عكس النماذج الدينية التي تتسم بالجمود والتي يتم إضفاء طابع قدسي عليها وهي ليست كذلك‏.‏

وعلي الصعيد النظري فان كلا من نظامي المرابحة والمشاركة يضع المودع تحت رحمة الشركة أو البنك الديني ومدي أمانته في تحديد نتيجة أعماله‏,‏ فيمكن أن يربح كثيرا ويزيف نتائج أعماله ليقول إنه لم يحقق ربحا أو حتى مني بخسائر حتى يدفع أرباحا قليلة للمودعين أو يحملهم بخسائر ولا يدفع ضرائب للدولة‏,‏ ويمكن أن يستخدم الأموال في توظيفات عالية الخطورة‏,‏ ويقامر بأموال المودعين في المضاربة علي الذهب والمعادن النفيسة أو في أسواق العملات‏,‏ أو في البورصات أو في أسواق المعادن والسلع والنفط‏,‏ فيقدم لهم أرباحا عالية بعض الوقت لإغراء المزيد من المودعين بالإيداع لديه‏,‏ لكنه يمكن أن ينهار ويوقع بالمودعين خسائر هائلة تلتهم أصول ودائعهم كلية‏.‏

كذلك فان الصفة الدينية لشركة توظيف الأموال أو للبنك الديني‏,‏ تشكل ابتزازا مسبقا يضعف أي عملية للمراقبة أو المساءلة‏,‏ حيث تكون المرجعية للبنك أو لشركة توظيف الأموال هي تصوراتها حول الدين وتجلياته الاقتصادية وليس القانون‏,‏ بما يتيح لشركة توظيف الأموال الدينية أو للبنك الديني التورط في بعض النشاطات الطفيلية غير المنتجة‏,‏ أو حتى التورط في تمويل نشاطات غير مشروعة وخارجة علي القانون‏,‏ وعلي الصعيد العملي فان شركات توظيف الأموال والبنوك الدينية في مصر فعلت كل هذه الخطايا‏,‏ وتمكنت من الاستمرار لعدة سنوات في ظل تغاضي الدولة والإدارة الاقتصادية والمصرفية عما تفعله‏,‏ لكن عندما حدثت أزمة البورصات العالمية عام‏1987‏ وما تلاها من تداعيات‏,‏ انكشفت تلك الشركات والبنوك الدينية التي كانت تمارس كل أشكال المضاربة الخطيرة في أسواق العملات والأسهم والمعادن النفيسة‏,‏ فضلا عن تورط البعض في نشاطات غير قانونية‏,‏ وانهارت وأضاعت مليارات الجنيهات من أموال المودعين‏,‏ وشكلت تجربة تاريخية مزرية لنموذج الاقتصاد الديني‏.‏ وإضافة لكل هذا‏,‏ فان الشركات الإسلامية لتوظيف الأموال والبنوك الإسلامية‏,‏ أخرجت مدخرات الأمن من معادلة تحقيق التنمية الاقتصادية في البلدان التي وجدت فيها‏,‏ حيث وظفت تلك المدخرات في مضاربات خطرة وذات طابع طفيلي غير منتج‏,‏ بل أن الكثير منها تم توظيفه في مضاربات في أسواق العملات‏,‏ وهي أسواق لا علاقة لها بتوفير الأموال للمعاملات الاقتصادية الدولية الحقيقية‏,‏ وإنما تعمل بصورة مستقلة وفقا لقواعد صالات القمار‏.‏

والحقيقة أن إقحام الدين في الاقتصاد‏,‏ ينطوي على إهانة للدين بربطه بمصالح ورؤى من يقومون بهذا الإقحام والتي تختلف مع رؤى الفرق الدينية المختلفة معهم ومع بعضها البعض‏,‏ ومع الرؤى التحديثية المنطلقة من ضرورات تطوير الاقتصاد والمجتمع والدولة‏,‏ انطلاقا من الواقع ومتطلباته علي أسس ومبادئ الحق والعدل والحركة كمبادئ إنسانية جامعة توافقت الثقافات والأديان السماوية والوضعية عليها‏.

Advertisements