من كلمة المفكر العالم / محمود العالم

من كلمة المفكر العالم / محمود العالم

اثناء استلامه لجائزة ابن رشد العالمية

إن الصراع الدائر في عصرنا ليس صراعاً حضارياً بل هو صراع مصالح اقتصادية وتوسعية وهيمنة داخل حضارة رأسمالية سائدة واحدة. هو أولاً صراع مصالح بين الدول الرأسمالية الكبرى نفسها من أجل المزيد من الربح والتوسع وإدارة أزماتها الاقتصادية والاجتماعية والقيمية المتفاقمة. وقد برز ويبرز الجانب الثقافي من هذا الصراع في ظواهر عديدة مثل “الاستثناء الثقافي” الذي فرضته فرنسا وكندا في اتفاقية الجات. وهناك ثانياً الصراع بين هذه الدول الكبرى والذول النامية. هذا الصراع الذي يتخذ أشكالاً متنوعة من تدخل وعدوان عسكري وفرض شروط سياسية واقتصادية ورؤى ثقافية لتكريس سيطرتها واستتباعها لهذه الدول النامية وطمس خصوصيتها الثقافية القومية وإعاقة تطورها التنموي الذاتي، واتخاذها قاعدة لتمكين هيمنتها على العالم، مستخدمة لتحقيق ذلك مختلف الوسائل السيايسة والاقتصادية والاعلامية والتآمرية فضلاً عن العدوانية العسكرية. وما أكثر الأمثلة الفاقعة والفاجعة لسلوك الدول الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية. ولعل ما يتم اليوم باسم الحرب العالمية الرابعة ضد الارهاب العالمي أن يكون نموذجاً فذاً لسياية العدوان والصراع والهيمنة التي يمارسها هذا الحلف الرأسمالي الاوروبي الأمريكي العالمي اليوم. إنها ليست حرباً صليبية ضد الإرهاب الاسلامي، وإنما هو غطاء أيديولوجي للخداع والتعمية عن الحقيقة. وفي تقديري أن كلمة الصليبية لم تكن فلتة غير مقصودة، ولميكن تهجم رئيس وزراء ايطاليا على الدين الاسلامي جهلاً أو غفلة. بل كانت تغذية مقصودة لهذا الغطاء الايديولوجي، الذي لا يطمسه الاعتذار عن الفلتة اللفظية، أو الاتهام غير المقصود ما يزعمون. في تقديري أن العملية جزء من مخطط كبير حاولت به الرأسمالية العالمية والولايات المتحدة بوجه خاص، أو استفادت به واستغلته للتصدى لتصاعد الادانة الشعبية العالمية لسياسة العولمة التجارية والاقتصادية التي أفضت وتفضي إلى تفاقم الأخطار البيئية والأزمات الاقتصادية والفروق الطبقية في العالم. لقد كان مؤتمر “ديربان” في جنوب افريقيا الذي انعقد في 29/8/2001 لإدانة العنصرية عامة، والعنصرية الصهيونية بوجه خاص والذي ضم 3 آلاف منظمة غير حكومية فضلاً عن 1500 دولة، قمة التعبئة الديموقراطية الشعبية العالمية المتاهضة لسياسات العولمة عامة والولاايات المتحدة الأمريكية بوجه خاص.

 

وقد سبق مؤتمر ديربان العديد من التحركات الجماهيرية في سياتل(Seattle) وفي ايطاليا وانجلترا ومناطق أخرى في العالم ضدهذه السياسات، وخاصة سياسة منظمة التجارة الدولية. ومع مؤتمر ديربان كانت هذه الموجه الرافضة لهذه السياسات، سوف تأخذ سمتاً أكثر ارتفاعاً وأشد عمقاً جماهيرياً. ومن الصعب تصور أن قرون الاستشعار الرأسمالية العليا في غفلة عن ذلك. ومن العبث الدخول في بحث حول من الذي قام بالعملية الارهابية ضد الرموز الاقتصادية والسياسية والعسكرية العليا في بيويورك وواشنطن. فإن مثل هذه العمليات الكبرى لا يتم السؤال فيها حول ن الذي قام بها، وإنما السؤال هو ما أسبابها وما دوافعها ثم من المنتفع والمستفيد عمليهً منها؟ وهنا استعيد قراءة لحديث لهنري كيسنجر Hernz Kissinger في جلسة خاصة لمجلس الشيوخ الأمريكي يوم 28/1/1975، يقول فيه كيسنجر “إن الإرهاب هو سلاحنا الأساسي للحفاظ على مصالحنا وأن القتل مبرر في عرفنا فالتخريب مبرر لدينا والمؤامرات مشروعة عندنا وإذن ما المشكلة ما دام كل شىء مبرر”!! وأعود إلى سؤالي: “من المنتفع اليوم عملياً مما حدث؟” قد لا استبعد أن تكون مجموعة بن لادن بمستوى أو بآخر قد اشتركت فيها، أو قامت بها، ولكن هذا لا يمنع أن يون الأمر قد تم بتشجيع وتيسير – في الخفاء – من شبكة من يهمهم الأمر في الخواتيم! وهكذا يصبح الضحية في الظاهر العملي هو العليم بالأمر والمشجع والفاعل الخفي غير المباشر إلى تحقيقه، ويصبح الفاعل الظاهر المباشر هو المتهم الوحيد في النهاية!؟ هل هو مكر التاريخ كما كان يقول هيجل أم هو مكر السياسات المصلحية؟!

 

فقبل مؤتمر ديربان كان هناك تراكم عدائي ضد الممارسة الرأسمالية للعولمة عامة وللولايات المتحدة الأمريكية خاصة. بل كانت الولايات المتحدة هي المتهم الأول في كل ما تراكم بسببها من جرائم سياسة واقتصادية وعسكرية ضد العديد من شعوب العالم، وبإنجاز هذه العملية الإرهابية الكبيرة، تحول موقع الولايات المتحدة الامريكية من متهم إلى ضحية! ومن ضحية إلى رأس دعوة لحرب عالمية شاملة للانتقام لا ضد حفنة من الارهابيين منا يقال بل من أجل استعادة الهيمنة الأمريكية عسكرياً واقتصادياً وسياسياً على مستوى العالم مرة أخرى بل أقوى مما كانت، على الأقل في الوقت الراهن. وكادت هذه العملية أن تكون تنفيذاً مخططاً دقيقاً لنظرية هنتنجتون في صدام الحضارات، ولهذا كان لا بد أن يكون الدين والدين الاسلامي خاصة، بطلها وشهيدها في وقت واحد!

 

وما أشد الاندفاع لتعميق مفهوم هنتجتون للصدام بين الحضارات، أو لتعميق الهوة بين الدين والعلمنة، أو بين الشرق والغرب أو بين الاسلام والمسيحية إلى غير ذلك. ما أشد هذ الاندفاع في صوره المختلفة الذي ينتهي إلى التعمية والغفلة عن حقيقة المأساة، جذورها ، أسبابها، المستفيدين الحقيقيين منها بل والغفلة هما يجب عمله من استمرار شحذ اليقظة لحقيقة الصراع في عصرنا، وحسن التصدي الموضوعي الفكري والعملي له.

 

ولهذا… فلنحرص على الدعوة إلى الحوار الفكري والثقافي والسياسي والاجتماعي والعلمي، لا إلى شحذ الصراعات الدينية وتفجيرها وتغذية الكراهية العرقية والعنصرية بين الشعوب، توعية وتعميقاً للتضامن الانساني، دفاعً عن قيم العقل والحق والعدل والحرية والتقدم والإبداع والتجدد في حضارة العصر. إنها حضارة رأسمالية استغلالية جشعة، تكاد تجعل من وحدة الحضارة الإنسانية – هذا الكسب التاريخي العظيم – لا قرية كونية واحدة كما يقال – بل غابة متوحشة. ولكن مواجهتها ليست بإدارة الظهر لها أو بإنكارها أو بالمواجهة الارهابية الانتقامية لبعض مظاهرها التي يكون ضحيتها ذائماً المدنيون الأبرياء والتي لا تفضي – كما علّمنا التاريخ – إلى تغيير ايجابي جذري بل إلى عكس أهدافها. على أن مواجهة هذه الرأسمالية المعولمة لا تكون كذلك بالتسليم بها والاندماج الهيكلي السلبي فيها، وإنما بالمواجهة العقلانية النقدية الحقة وبالامتلاك المعرفي والعملي لحقائق العصر ومنجزاته العلمية والتكنولوجية، والتضامن العلمي مع كل القوى الفاعلة المنتجة والعالمة والمبدعة والمجتمعات المدنية والديموقراطية في العالم ومع اتجاهات الهيئات والتنظيمات الشعبية والوطنية والديموقراطية والدينية المستنيرة والاشتراكية والشيوعية والعلمانية والتقدمية عامة من أجل تدعيم وتنمية المشروعية الدولية، وتفعيلها والدفاع عن الخصوصيات الثقافية والهويات القومية، وقيم العدل والسلام والحرية وحقوق الإنسان مع النضال من أجل تنمية مشترك ثقافي إنساني عالمي يتيح تحويل العولمة الراهنة إلى عولمة بديلة ديموقراطية تضامنية تحترم التنوع والاختلاف وقيم العقل والعدل والحرية وحقوق الانسان والسلام والتفتح الانساني إلى غير حد.

 

 

 

 

 

Advertisements