الليبراليون الجددد


الليبراليون الجددد

د . محمد منير مجاهد


لعب أبناء رفاعة الطهطاوي من الرواد الليبراليين دورا كبيرا في تشكيل وجدان الشعب المصري، ويكفي أن نذكر أسماء كطه حسين، وقاسم أمين، وأحمد لطفي السيد، وتوفيق الحكيم، وطلعت حرب، ونجيب محفوظ، وغيرهم من الأعلام حتي تتداعي إلي مخيلة القارئ قضايا كتحرير المرأة والديمقراطية واستقلال الجامعات وحرية الفكر والتعبير، ولكن في زماننا هذا أصبح لليبراليين مهام أخري.
أدهشني أن أطالع في جريدة المصري اليوم الصادرة بتاريخ 23 يناير 2009 تصريحات للمهندس نجيب ساويرس يقول فيها «أتفق مع الحكومة في أن إطلاق الحرية بشكل كامل سيأتي لنا بقوي مثل الإخوان أو (حماس)، الأمر الذي سيعيدنا 50 عاماً للوراء، ولست ضد الديمقراطية لكن يجب التدرج فيها مع الإسراع في الإصلاح الاقتصادي»، وهي تعبير عن آفة أُصيب بها العقل السياسي المصري يمكن تلخيصها في عبارة «أنا ديمقراطي طالما سيصل من أحب إلي الحكم، أما إذا كان يمكن أن يصل غيره فطظ في الديمقراطية».
أنا شخصيا أعتقد أن الشعب المصري سيرتكب أكبر خطأ لو انتخب الإخوان، ولكن من قال إن رأيي هذا هو الصواب؟ ومن قال إن الشعب المصري دونا عن شعوب الأرض كلها ليس من حقه أن يخطئ؟ الشعوب كالأفراد تتعلم من أخطائها، فإذا أخطأ الشعب باختيار الإخوان فسوف يصحّح الخطأ في انتخابات قادمة ككل شعوب الأرض، المهم أن نتفق علي المعايير التي تحكم تداول السلطة وتضمن عدم الاستئثار بها، لقد نشأ الدستور الأمريكي في بلد مارس أكبر تجارة عبيد في تاريخ البشر، ولكنه بمبادئه السليمة مكّن الشعب من التطور فألغي الرق تماما، ثم ألغي التفرقة العنصرية، ووصل لانتخاب أول رئيس من أصل أفريقي.
الطريق إلي الاستبداد هو هذه النظرة الأبوية المتعالية من قِبل السلطة السياسية وبعض قادة الرأي التي تنظر للشعب المصري علي أنه شعب قاصر لا يعرف مصلحته كما يعرفونها هم، شعب يمكن أن يخدعه الأشرار ويحتاج إلي أيديهم الحانية كي تحدد له الصواب من الخطأ، ولو أن ساويرس وغيره من الليبراليين الجدد أنفقوا الجهد والمال في إشاعة قيم التنوير والتحرر وواجهوا الإخوان فكريا لهزموهم، ولكنهم يلجأون لاستخدام الأساليب الإدارية وسلطة الدولة لحسم صراع سياسي.
إذا لم يكن الليبراليون الجدد يعرفون، فإنني أنبئهم بأن الشعب المصري قد شب عن الطوق وقادر علي أن يميز بين الصالح والطالح، وقادر علي التعلم من أخطائه، وأنه يدرك أن الديمقراطية لن تعيدنا 50 عاما إلي الوراء، ولكن استمرار السياسة التي بدأت منذ أكثر من خمسين سنة بمعاملة الشعب كقاصر هو سبب تدهورنا، هو الذي أدي بنا إلي ما نحن فيه الآن

Advertisements