رحيل المؤرخ المصري عبد العظيم أنيس

رحيل المؤرخ المصري عبد العظيم أنيس
بعد ايام من وداعنا للرفيق / ممدوح ” محمود أمين العالم ”  فوجئنا برحيل المؤرخ والكاتب المصري ورفيق العالم لاكثر من نصف قرن “عبد العظيم أنيس “عن عمر 86 عاما بعد أن قدم مساهمات عديدة في النقد الادبي رغم ان عمله الاساسي في العلوم حيث اشتغل مدرسا لمادة الرياضيات في اكثر من جامعة مصرية واجنبية … وكأن لسان حال عبد العظيم أنيس يقول للعالم : ماذا يارجل أهذا ماتعاهدنا عليه أتتركنى وحيداً وسط هذا الكم من الفساد والافساد فى الثقافة وفى العقول .. فى السياسة والاقتصاد … ولا أحد ممن تتلمذوا على أيدينا عنده القدرة على الحوار الذى يجمع ويلملم شتات اليسار … الكل بيجرى ورلء الشهرة أو المادة أو طغت عليه نرجسية الزعامة … أتتركنى يارفيق .. وسط طبقة عاملة تسعى للتشرزم  بسبب قيادات تريد إنهاء حياتها النضالية بسبوبة هنا أو سبوبة هناك … الخ ” أرجوا المعزرة يا استاذ / عبد العظيم فأنا هيئ لى انك تقول ذلك بعد ما رحل رفيقك رغم اننى أعلم انك عف اللسان .. ودائماً ما كنت صبوراً على تلاميذك لعل يطلع منهم الاستاذ القائد ” ولكن ما أنا متأكد منه انك رفضت أن تعيش بعيداً عن صديق العمر ” المفكر الشيوعي / محمود العالم ” الذى قال عنك هذه الكلمات التالية :
” أيها الشاعر العاشق العظيم الباحث العالم المحقق المدقق والسياسي المناور، لقد جمعت إبداعاتك العلمية الواعية وعطر شخصيتك بين الإحساس والصراحة والصرامة والصفاء والمودة والعذوبة، فعبر السنوات الـ 50 لصداقتنا المشتركة شعرت انها لم تكن علاقة معايشة فقط ولكنها حقيقة موضوعية، فقد ولدنا بحي الازهر وتعلمنا في مدرسة واحدة ثم فصلنا من المدرسة، وعندما فتح باب المجانية عدنا الي المدرسة ثانية حتي التقينا في العام 1935 في معركة ضد النحاس باشا وضد الانجليز تلك المظاهرة التي اعتقل فيها د. انيس لأول مرة وهو مازال صغيرا، ثم ابعدتنا الحياة والتقينا في الأربعينيات حيث كان المناخ متوتراً محملاً بروح ثورة قادمة، ثم عينا بالجامعة وفصلنا منها ايضا وسافر كل منا في طريق وعندما سمع بقرار التأميم قدم استقالته وعاد للوطن ليشارك في هذا الحدث الجلل وتفرغ بعد ذلك للعمل الصحفي، ولم يتوقف عن مساهماته العلمية فقدم العديد من المؤلفات التي تتحدث عن التراث العلمي وتاريخ العلم، ويظل أبلغ كتبه وأعظمها ذلك الذي عبر فيه عن قضية التعليم سياسيا وفكريا وعلمياً، وهكذا تتكامل جهوده التنموية والفكرية لتشكل استراتيجية علمية، ولتقف ضد التبعية والهيمنة الأمريكية والأطماع الاستعمارية  ”
ولد الراحل في القاهرة العام 1923 وتخرج في كلية العلوم بجامعة القاهرة عام 1944 وذهب في بعثة الى بريطانيا عام 1950 ونال دكتوراه الفلسفة في الاحصاء الرياضي من جامعة لندن عام 1952. وأخذ العمل العام من أنيس وقتا وجهدا يتذكره الكثير من رجال السياسة مثلما عرف بين اوساط المثقفين في قدراته الابداعية والنقدية وكان لصداقته الراحل محمود امين العالم (توفي السبت الماضي) في الحياة والابداع ابعاده في اثراء مسيرته الادبية والفكرية حيث قدم كتاب (في الثقافة المصرية) الذي أصدره أنيس والعالم عام 1955 واثار الكثير من ردود الفعل المتباينة في انتقاده بشدة أدباء بارزين انذاك منهم عباس محمود العقاد وطه حسين الذي جمعتهم مساجلات فكرية ساخنة . ترأس الراحل اللجنة القومية لتطوير تعليم الرياضيات في مصر بين عامي 1970 و1975 وصدر له مجموعة من الكتب اللافتة منها (مقدمة فى علم الرياضيات) و(بنوك وباشوات) و(العلم والحضارة) و(التعليم في زمن الانفتاح) وكتاب (رسائل الحب والحزن والثورة ) كتبه في الستينيات وهو داخل السجن .
وعمل أنيس بالصحافة في نهاية الخمسينيات مع خالد محيي الدين وهو أحد ضباط الثورة المصرية الا أنه أبعد عن العمل السياسي بسبب أفكاره بشأن مطالبته الدائمة بالديمقراطية.
وفصل أنيس من الجامعة عام 1954 لاسباب سياسية وسافر الى بريطانيا وعمل أستاذا للرياضيات بجامعة لندن ورغم خلافه مع ثورة 23 تموز 1952 لم يتردد في ترك لندن واشترك في مظاهرات تندد بالسياسة البريطانية حين بدأ العدوان الثلاثي ( البريطاني-الفرنسي-الاسرائيلي) على مصر عام 1956 وعاد الى القاهرة.
أبرزت كتابات الراحل الذي عرف بشغفه بمواضيع الفلسفة والرياضيات البعد الاجتماعي للأدب مثلما جاءت كتاباته السياسية التي تنحاز إلى الفقراء والبسطاء والعدالة الاجتماعية على الرغم من انتماءه للطبقة الثرية وكان أنيس والعالم من مستشارين هيئة تحرير مجلة اليسار التى راس تحريرها ” أ / حسين عبد الرازق ” كما أنهما أنيس والعالم تحاورا صحفيا مع أبو عمار فى أجرأ حديث صحفى .

وداعاً أيها المثقفون الثوريون اللذين حييتم شرفاء ورحلتم شرفاء لم تبيعوا أوتخونوا وبقيتم أحراراً منذ أردتم أن تكونوا أحراراً رغم السجن والتعذيب والتغريب وسخافات البعض ممن كتبوا ضدكم الكلمات البزيئة إما عن جهل بكم أو عن حقد لكم !!! فسلام عليكم ” شهدى عطيه .. صلاح حسين .. زكى مراد .. نبيل الهلالى .. شحاته هارون .. يوسف درويش .. محمد الجندى .. محمود العالم .. عبد العظيم أنيس .. وآخريين من أبناء جيلكم العظيم … وشفى الله إستاذى / عريان نصيف .. وطبتم لنا بفكركم وسلككم وعاشت رسالتكم وأهدافكم الثورية بالتغيير نحو عالم أفضل يسوده السلام والحب والعدل الاجتماعى .. عالم تسوده الاشتراكية والحرية “

حمدى حسين

Advertisements