العملاق الأسمر بقلم صفاء زكي مراد

كنت قد أعطيت لنفسى اليوم أجازة من الجلوس أمام الكمبيوتر فإعتزرت عن إجتماع لجنة التضامن العمالى بالقاهرة حتى يتسنى لى الجلوس مع أولادى اللذين جاءوا يهنئونى بمناسبة يوم مولدى واتى الى كريم البحيرى والدكتور محمد فؤاد ثم ذهبت الى والدتى لامضى معها بعض الوقت لتحدثنى عن سيدى بشر يوم مولدى كما هى العادة كل عام وبعدها تقابلت مع مجموعة من أعضاء اتحاد أصحاب المعاشات … وقبل ان امضى الى منزلى قلت اشوف ” التقدم ” عليها ايه فتفاجئت برسالة د.م/ منير مجاهد ” عن مقالة الاستاذة / صفاء مراد …. فإعتبرت هذه المقالة اجمل هدية اطالعها فى يوم مولدى 22/12/2008 فرأيت ان من واجبى ان اعيد نشرها

العملاق الأسمر

صفاء زكي مراد

حين رحل يوسف صديق المناضل الإشتراكي الثائر وعضو مجلس قيادة ثورة يوليو المغضوب عليه سنة 1975 رثاه أبي وكتب عنه قصيدة بعنوان (العملاق الأسمر) قال فيها :

كان العملاق الأسمر حادا كالسيف …. قويا كالطود…. ورقيقا كشغاف القلب ،،

نفاذا كعبير الياسمين…. كان ابنا بارا يعشق هذي الأرض السمراء وهذا الشعب البناء ،،

يتقدم وقت العزم …. يتراجع وقت الغنم …. كان حبيب جنوده …. صديق وعوده… كان وكان ،،

ولكن ما معنى كان وكان …. وما معنى حفلات التأبيـن وقد خسرت هذي الأرض السمراء وهذا الشعب البناء…. هذا العملاق العاشق …. السيف المرهف …. والقلب الشفاف.”

لم يكن أبي يعرف أنه بعد أقل من خمس سنوات من نظمه لهذه الأبيات سوف يرحل عنا هو أيضا، وأننا أبنائه وتلاميذه ورفاقه وأصدقائه سنرد إليه كلماته “ليوسف صديق” نهديها لروحه ونرددها  له حبا وحزنا وشوقا وتوقا، بعد تسعة وعشرين عاما على موته غدرا في 18 ديسمبر سنة 1979.

وُلد أبي في أول سبتمبر عام 1927 في قرية “أبريم” بالنوبة وتلقى تعليمه الأولي في مدرسة القرية ، انتقل عام 1939 إلى الأسكندرية ثم إلى القاهرة حيث درس في مدرسة حلوان الثانوية ثم درس بكلية الحقوق بجامعة فؤاد الأول ( القاهرة) وتخرج فيها.

التحق منذ وقت مبكر بالتيار الماركسي للحركة الوطنية المصرية وشارك في 1946 في اللجنة الوطنية للطلبة والعمال مما أدى إلى إعتقاله السياسي الأول في نفس هذا العام، ثم اعتقل مرة أخرى في أبريل 1947 لمناهضته للسلطة الملكية والاحتلال البريطاني، ثم قبض عليه سنة 1949بتهمة الانضمام لتنظيم شيوعي . خلال هذه السنوات شارك بالكتابة في العديد من المجلات الثورية بمقالات تعبر عن عمق وجسارة لازمت روحه حتى فاضت إلى بارئها، من هذه المجلات : الملايين، الجماهير، الكاتب، الواجب، الضمير ، الناس وأم درمان.

شارك عام 1951 في لجنة الميثاق الوطني التي كونتها القوى الوطنية آنذاك وفي حركة “حدتو” التي وضعت برنامج الجبهة الوطنية الديمقراطية لإلغاء معاهدة 1936 وجلاء القوات البريطانية وتحقيق الديمقراطية للشعب . كما ساهم في تنظيم المقاومة الشعبية والكفاح المسلح ضد قوات الاحتلال البريطاني في منطقة القنال والتل الكبير.

وعندما قامت ثورة يوليو 1952 كان من طليعة المؤيدين لها المدافعين عن توجهها الوطني التقدمي، ولكن عندما اتخذت الثورة نهجا ديكتاتوريا استبداديا عارضها وانتقدها ودعا إلى تشكيل جبهة وطنية ديمقراطية من أجل عودة الحياة النيابية ولرفض الأحلاف العسكرية، مما أفضى به إلى السجن والاعتقال مرة أخرى حيث قدم للمحكمة العسكرية برئاسة “الدجوي” في نوفمبر 1953 بتهمة تشكيل جبهة لإسقاط النظام وحكم عليه بالأشغال الشاقة ثماني سنوات قضاها في سجن الواحات، ولم يخرج بعد انقضاء مدة العقوبة حيث صدر أمرا باعتقاله وهو مسجون فظل معتقلا حبيس السجن لمدة إحدى عشر عاما متصلة حتى يونيه 1964.

ثم كان في مقدمة من وقفوا بحسم ضد اتجاه التبعية وسياسات الاستسلام التي انتهجها السادات مما أفضى به مرة أخرى إلى السجون والمعتقلات في عام 1975 بتهمة تأسيس تنظيم شيوعي لقلب نظام الحكم ثم في عام 1977بتهمة التحريض على انتفاضة يناير وتأجيجها

ثم أخيرا في عام 1979 حيث قبض عليه وظل في المعتقل حتى قبل استشهاده بشهرين عقابا له على تفعيل دعوته لتشكيل جبهة وطنية ديمقراطية لإسقاط معاهدة كامب ديفيد واتفاقيات السلام المخزية مع إسرائيل. فما أن أعلن زكي مراد صيحته المدوية في أبريل 1979 بأن: “مصر ليست ملكا لماركسي ولا ملكا لوفدي ولا ملكا لناصري ولا ملكا لإخواني أو ملكا لأحد من الإتجاهات الإسلامية، إن مصر هي ملك لجميع المصريين والمصرية هنا ليست مجرد انتماء وإنما تتحدد بالمواقف، فأنت مصري حقيقي إذا كنت تقف في خندق أعداء الصهيونية وأعداء من هم خلف الصهيونية من قوى الاستعمار العالمي أما إذا كنت في خندق أمريكا وإسرائيل فلتبتعد عنا ولتعلم أن الذي بيننا وبينك هو الكفاح.”

ومنذ هذ الصيحة المجمعة المهدية المحددة للخنادق التي أطلقها الحالم الثائر تربص به الموت الغادر  وأعداء الحرية والكرامة، ولم يمض عام 1979إلا وكنا نناجيه بذات كلماته لرفيق دربه يوسف صديق في قصيدة العملاق الأسمر

ما اعتاد جنودك أن تسكت حين ينادون ….

ما اعتاد رفاقك أن تسكت عما يرجون ….

أتشيح بوجهك عنهم؟

أو ترحل في وقت لايقطعه إلا أبطالٌ مثلك؟

رغم كل السنوات التي أمضاها مكبلا مقيدا فقد كان مفعما بالحب والشوق والثورة ، حتى وهو أسير ظلمة السجن أو المعتقل كان يشع نورا وينتج فكرا ويقرض شعرا يخترق الجدران ويقتحم الأسوار وينطلق عبر الأصفاد والأغلال، حين مات والده وهو في السجن كتب يناجي روحه ويقول:

أبي .. أنا لم أهدك شيئا في حياتي الماضية ….

غير أني كنت أنوي في حياتي الآتية….

أن تكون الباقة المهداه دنيا ثانية ….

وطنا حرا سعيدا ونفوسا عالية….

وأماني كبارا وقلوبا حانية….

وأناشيدا عذابا  وشفاها شادية ….

ووجوها نيرات وجباها صافية….

وصفوفا من شباب وأيادي بانية ….

وإخضرارا وازدهارا في قرانا النائية….

ونخيلا باسقاتٍ مثمراتٍ معطية….

شبعا من بعد جوع للبطون الخاوية ….

وإرتواء لشفاهٍ ظامئاتٍ صادية …. ورجاءً بعد يأسٍ للعيون الباكية ….

ورضاءً بعد سخطٍ للنفوس الشاكية ….

وغنىً من بعد فقرٍ فوق رمل البادية ….

وانتعاشا وانتشارا في حياة راضية….

أفليست هذه الباقة روحا ثانية؟

نعم يا أبي هي روح ثانية ، هي دنيا ثانية ، مصر الأخرى التي تمنيتها وحلمت بها وأعطيت العمر والدم في سبيلها وفي سبيل هذا الحلم ، هي حتما آتية.

القاهرة

17/12/2008

Advertisements