كلمة الدكتور حسام إبراهيم سعد الدين

ارسلها م.د/محمد منير مجاهد
كلمة الدكتور حسام إبراهيم سعد الدين
في حفل تأبين والده الدكتور إبراهيم سعد الدين
الذي أقامه حزب التجمع يوم السبت 29 نوفمبر 2008

أيها الأصدقاء والزملاء والزميلات

أتقدم بالشكر والتحية لحزب التجمع على إقامة هذا الحفل وأتوجه بالشكر لكل من شاركنا أحزاننا سواء بالحضور أو تلغرافيا أو تليفونيا أو الكترونيا أو بغير هذه الطرق.

لقد كان الوالد، الدكتور إبراهيم سعد الدين، نموذجا حقيقيا للإنسان الاشتراكي، الإنسان الاشتراكي كما قرأت عنه في الكتب وفي العمل العام وكان والدا عظيما وزوجا نموذجيا وكان أيضا مثالا للعطاء والوفاء والحب.

لن أتحدث عن خبرته وعمله كمناضل اشتراكي وعالما اقتصاديا وباحثا علميا فلقد تحدث وكتب عنه الكثيرون والمتحدثين السابقين عنى. ولكنني سوف أتحدث عنه باعتباره والدا وزوجا ونموذجا يحتذى.

ولد أبى، الابن الأكبر بعد 5 بنات لوالده المستشار عبد الله بك محمد ولأمه السيدة نبوية سليمان زيتون. وكان دائما يوصف بالتواضع وبالرغبة في العلم والمعرفة. وكان وهو صغير دائم النقاش مع والده حول الفقراء والفلاحين وما يحصلون عليه. توفى أبوه فأعجب الابن بصلابة أمه وقدرتها الفائقة على إدارة الأسرة.  تخرج من كلية التجارة سنة 1945 وألهبته أحداث الطلبة والعمال وارتبط بالحركة اليسارية عن طريق “لجنة نشر الثقافة الحديثة” التي كان عضوا فعالا فيها.

كان أبى معيداً في كلية التجارة ولكنه لم يمنح بعثة للسفر للخارج لإكمال دراسته العليا لأسباب سياسية. فما كان منة إلا أن باع الفدانين إللي ورثهم من والده وسافر إلي أمريكا للحصول علي الدكتوراه. عرض عليه البقاء في أمريكا ولكنه رفض وعاد إلي مصر مباشرة بعد أكمال الرسالة. وبعد 7 أشهر من عودته تم القبض عليه.

وتحكي أمه عنه يوم أن زارته أول مرة في سجن القناطر الخيرية سنه 1956 وخاطبها بالحب والصلابة ولعلها أيضا رعونة الشباب “أمي انت جايه ليه .. طول ما الحكم القائم دا موجود فانا لن أخرج” وطبعاً جدتي زعلت جداً ولكنها أحست بصلابته.  هذا حدث في سجن القناطر حيث كانت الزيارات متقطعة ولكنني أذكر يوم أن سمح لي الصول المشرف على الزيارات أن أكون معه خلف السلك وهو شايلني على ذراعيه وأنا ملتصق برقبته ووجهه، وهو يتحدث إلى أمي وجدتي في نفس الوقت. وتمر السنون وبعد سبعة عشرة عاما كنت استقبل أنا الزيارات من نفس المكان!

كان أبى مديراً للمعهد العالي للدراسات الاشتراكية، وعضوا بالأمانة العامة للاتحاد الاشتراكي: يعني كان علي رتبة وزير. ولكن حياتنا لم تتغير في كثير أو قليل واستمرت كما هي في طابعها العام. كان مؤيداً لعبد الناصر حين تبني الاشتراكية ولكنه في نفس الوقت كان واضح الرأي ناقدا لما لا يراه صحيحاً. وقد كان متحمسا بشدة لهذا الدور التثقيفي والتعليمي. وعلى يديه، هو، ورفاقه في المعهد، تدربت أعداد هائلة من الكوادر السياسية وازداد وعيها بالاشتراكية وبالفكر الجدلي العلمي.

قبضت عليه السلطة الناصرية وهو يعمل معها 1966، وهو في عمل ميداني للمعهد الاشتراكي، واتهموهً بعمل تنظيم للقوميين العرب في مصر. وكان هذا اتهام كاذب من مجموعة المشير عبد الحكيم عامر في صراعها مع قوي اليسار في السلطة. وحين علم الأستاذ/ حسنين هيكل بالقبض عليه اتصل فوراً بشمس بدران اللي قاله أن “أيوه قبضنا عليه وهيتكلم الليلة” حيث كان متجهاً إلي السجن الحربي تمهيداً للتعذيب. فما كان من الأستاذ/ هيكل إلا أن اتصل بالرئيس عبد الناصر الذي أمر بتحويله إلي الداخلية بدلاً من السجن الحربي حيث حقق معه شعراوي جمعة وروح ثاني يوم مع تحديد إقامته. أختلف مع عبد الناصر ولكنه لم يفقد يوماً إيمانه بانحياز عبد الناصر للفقراء وظل جندياً لنشر الاشتراكية والعدالة رغم من عدم رضا النظام.

أتهمه البعض باليمينية واتهمته الدولة والسلطة باليسارية، وقد كان في جميع الأحوال صادق التعبير عن آرائه ولا يحيد أبدا عن النطق بما يراه صحيحاً حتى ولو كان في الأقلية.

أتذكر يوم أن دعي لإلقاء محاضرة في الاتحاد الاشتراكي بالدقي في أوائل عام 1968 وكانت الدعوة موجهه من الشباب اليساري (و أنا واحد منهم) في الدقي. وكان الحوار الدائر في مصر حينئذ حول موقف الثورة بعد النكسة، وكان رأينا أن علي عبد الناصر أن يقوم باتخاذ المزيد من القرارات الاشتراكية.  دعونا الوالد باعتباره من زعماء اليسار ليؤكد هذا الرأي في محاضرته، ولكن الذي حدث أنه أحبطنا لأن رأيه كان أننا في مرحلة كفاح وطني تتطلب وحدة كل القوي الوطنية في مصر. وبغض النظر عن صحة أو عدم صحة هذا الرأي – فأنه بدأ الحديث مدافعاً عن وجهه نظره التي كانت مخالفة للقاعة، بل، وهو الأهم، مفاجئة لنا جميعاً نحن الشباب اليساري. فإذا بالحوار يدور ساخنا بيننا وبينه حول هذا الأمر. ليس المهم هنا نتيجة الحوار إنما الأهم هو ما دار بيني وبينه بعد انتهاء اللقاء، حيث سألته لماذا لا تقول ما يريده المجموع وقلت أنه بموقفه هذا قد يفقد شعبيته.  ولن انسي طيلة عمري رده علي الذي بدأه بشرح طويل عن معني الانتهازية السياسية والشعبوية، وقال أن أهم ما يميز الثوري والإنسان هو صموده خلف أرائه مهما كانت معزولة، فله أن يغيرها إذا اقتنع بغيرها ولكن لا يغيرها بهدف أن يصبح أكثر شعبية.

أعلم أن أبى كان دائماً محل احترام الجميع إلا أنه لم يكن بالضرورة محل رضا البعض، في السلطة أو غيرها، ممن يعلمون أنه إذا اختلف معهم في الرأي فسوف يكون دائماً واضح الموقف والخطي.
بالنسبة لي كانت هذه القصة مفصلاً رئيسياً في حياتي الشخصية، ومن يعرفني علي أي مستوي يعلم إنني دائم الدفاع عما أراه صحيحاً حتى حين أكون في الأقلية سواء كان هذا في الطب أو السياسة.

كان أبى مثالا يحتذى به في القيام بكل الواجبات الأسرية.  كان مؤمنا بالمساواة دائماً بين المرأة والرجل، وكانت شهرته بين نساء الأسرة الكبيرة بأنه نصير المرأة تلجأ أي منهن إليه في الشدائد وفى الأزمات.

كان زوجاً نموذجياً ليس فقط في أخلاقه العامة بل كان أيضا مشاركاً في جميع الأعمال الأسرية والمنزلية إلى جانب رفيقه عمره، أمي، السيدة/ علية حسن حسني. كان دائم الاهتمام براحتنا جميعاً ولا أنسي أنه كان عند الظهيرة يجمعنا نحن أولاده بعيدا عن حجرة نومه ونوم الوالدة، حيث أنها كانت تنام الظهر ونومها خفيف. وكان يتحدث معنا ويحكى لنا القصص ويسمع منا ويتناقش معنا في هدوء، حتى لا تستيقظ الوالدة من نومها.

كانت المساواة في المعاملة بيننا أنا وأخي زياد نحن الأولاد وأختنا مني البنت قيمة واضحة السمات في منزلنا، مارسناها طوال حياته دون أي تفرقة سواء في السهر خارج المنزل أو التثقيف أو التعليم أو الإرث.

أبان انقلاب 15 مايو 1971 تم القبض علينا بتهمة التأمر لقتل أنور السادات وكان هذا بناء على بلاغ كاذب يدعى أن كلٍ من فريد عبد الكريم ومحمود السعدني والوالد اتفقوا علي المهمة وقرروا أن يقوم بها العبد لله والأستاذ/ محمد خليل. واقتحمت مباحث امن الدولة منزلنا يوم 18 مايو ولن انسي يومها موقف والدتي العظيم، حين تم التفتيش من قبل المباحث لينتهي الأمر بهم بالقبض على زوجها وابنها الأكبر في تهمة لقلب نظام الحكم. كانت أمي مثالا للصمود والصبر والعزيمة في هذه اللحظات الصعبة على أي إنسان.

كان والدي إنسانا عظيما لأن الوالدة كانت عظيمة معه ولم تتوقف يوماً عن مساندتنا حتى وأن نصحت بالتروي (بلاش كده أو كده) ولكن عند الجد فهي الجدار الصلب الذي نستند عليه جميعا.

لم يعترض أبى يوماً علي انشغالي في السياسة ولعلني من القلائل الذين يفتخرون أنهم دخلوا السجن مع أبيهم ، ولكنه كان دائم الحرص على، وكان دائماً ما يفتش خلفي. وكل منشور أجيبه البيت واخبيه . يلاقيه، ثم يقول لي “إذا أنا لقيته يبقي البوليس كمان حيلاقيه”. لم يكن ينام الليل إلى أن أصل إلي البيت حتى يطمئن إنني لم يقبض علي (يعني أنا ابقي بلعب كوتشينة مع صحابي وهو سهران منتظر مصيبة).

أحيل إلي المعاش في سن 46 سنة بعد أن حكم عليه بسنتين سجن مع إيقاف التنفيذ في قضية مراكز القوي التالية لانقلاب 15 مايو. وذهب للعمل في الكويت كخبير لهيئة الأمم المتحدة مشرفا على إنشاء معهد التخطيط في الكويت. واستمر هناك لمدة ثمان سنوات. ولما بدأ أخي وأختي الدراسة الجامعية في مصر قرر العودة إلي الوطن رافضاً عروضا سخية للبقاء في الكويت بما في ذلك عروض من الأمم المتحدة التي لو كان استمر في العمل معها لمدة سنتين أخريين لاستحق معاشا كاملا منها وعلاجا بالمجان له ولأسرته مدى الحياة ولكنه قرر أن يترك هذا كله للعودة للوطن ولحزب التجمع.

أخذ مكافأة المعاش المبكر وأضافها إلى ما ادخره بالكويت ثم قسمهم على أربعة (أنا وأخي وأختي بالتساوي وأعطاهم لنا بعد التخرج مع بداية الحياة الزوجية لكل منا) أما الجزء الرابع فكان للوالدة وعاش كلاهما عليه بالإضافة إلى المعاش الشهري المتبقي.

كان أبى جميل الطبع والطابع كان هكذا طوال حياته، ولكنه كان أيضا صاحب مرض. أصيب بالحمى الروماتيزمية وهو صغير أدت إلى ضيق في الصمام التاجي. وظل طوال عمره يعانى من آثارها. وكانت قناعته أن عمره سيكون قصيرا.  أجريت له عملية قلب مفتوح لتوسيع الصمام سنة 1987 ولكنه أصيب مرتين بجلطات في المخ أدتا إلى تقليص مجال الرؤية بحيث أنه لم يعد قادرا على السياقة وحتى المشي بمفرده كان به خطورة عليه. وكعادته تقبل الأوضاع الجديدة وعاش حياته وكأن شيئا لم يكن. وكان هذا ممكن ليس فقط بسبب طبعه الحسن ولكن أيضا للعناية الفائقة التي أحاطته بها صديقته ورفيقة عمره، أمي، التي كانت المشرفة اليومية على علاجه وأدويته ومواعيدها بوتيرة عسكرية، ساهمت مم لا شك فيه في إطالة عمره.

أن أهم ما يميز أبى هو النقاء والتواضع والرضا

أما عن النقاء فلم أره يوماً يكذب أو يتآمر. وكان كما وصفه الدكتور/عمرو محيى الدين ” لم تكن له مشكلة شخصية مع أحد، لم يسيء إلي أحد ولم أره يوما يغتاب أحدا، وكان متسامحا حتى لمن يسيئون إليه. أما البساطة فيعرفها كل من تعامل مع إبراهيم فقد كان بسيطا في مأكله بسيطا في ملبسه، بسيطا في كل جوانب حياته، كان متقشفا كالرهبان والمتصوفة، ولم تحركه في يوم من الأيام شهوة سلطة أو شهوة مال كان بعيدا عن زخرف الحياة ورونقها.”

كان أبى بالفعل متواضعا في حياته كالقديس. ولا أنسي تعبير جدتي (ماما نبوية) “أبوك ده لو جت له الفلوس من الباب ينط من الشباك”. وكان علي الرغم من ثوريته وعدم رضاه سياسياً ودعوته المستمرة للتغيير للأفضل، كان علي المستوي الشخصي دائماً راضياً بما عنده، راضياً بحياته الشخصية والأسرية وبأوضاعه المالية (فاحتياجاته كانت دائماً قليلة). كان حقيقة الشخص الذي ينطبق عليه مقولة “أن السعادة في الرضا”.

كان علي الرغم من هذا دائم الوعي بأن دوام الحال من المحال وأن التغيير قادم دائماً. لم أره أبدا متشائماً، سواء في الأزمات الأسرية أو الأزمات السياسية، دائماً تجد عنده تفاؤل الإنسان وتفاؤل الثوري. ولن أنسى أبدا حين كنا (في لندن) نتابع سويا أحداث سقوط حائط برلين بكل ما يحمله هذا من معان.  ولكن يظل الوالد متفائلا، ويقول مش مهم سقوط هذا النموذج أو ذاك ولكن المهم أن يسعى الإنسان من أجل العدالة والاشتراكية لا ولن ينتهي، قد تتعدد الطرق أو تتعدد النماذج ولكن حتمية العدالة والاشتراكية لم تكن أبداً محل شك لديه.

كان أبى اشتراكياً بمعنى الكلمة، وهو ابن هذا الجيل الموسوعي من رواد الفكر الاشتراكي العلمي. وعمل مع رفاقه علي الدعوة الاشتراكية طوال سنين عمره.  لم تكن معرفته تقتصر فقط علي السياسة والاقتصاد والإدارة، بل كان عليما بالتراث، واسع المعرفة بالشعر العربي والجاهلي والمعاصر وضليعا باللغة العربية ومتذوق لجمالها.

كان أبى معلما من الطراز الأول، وكان يعشق نقل المعرفة، وكانت قدرته الفذة علي تبسيط أي موضوع وشرحه بسلاسة، ما أدى إلى التفاف الكثيرين حوله. وقد كان العديد من أصدقائي يحضرون إلى منزلنا ليس فقط لزيارتي بل أيضا لسماع آرائه ومناقشته فيها.

كان أبى مؤمنا بفكرة التجمع منذ البداية باعتباره حزب وجبهة لكل قوي اليسار. وكان مؤمنا بأن اليسار ليس حكراً علي الماركسية والماركسيين (وهو واحد منهم) وكان دائماً مع أوسع الصيغ لتوحيد كل قوي اليسار المصري.وكان بالفعل مقتنعا بأنه دون وحدة كل قوى اليسار وبالذات التجمع فلا أمل لخروج الوطن من أزمته. وكان أيضا شديد الإيمان بالديمقراطية وبأن السلطة القائمة فاسدة ومفسدة، وأن الوقت قد حان لتغييرها، وكان مؤمنا بتشكيل أوسع جبهة وطنية وديمقراطية لمواجهة هذه السلطة بما في ذلك القوي الإسلامية شريطة موافقتها علي التبادل السلمي للسلطة.

ظل أبى طوال العشرين سنة الماضية يعمل في منتدى العالم الثالث الذي أنشأه صديقه ورفيقه الدكتور/ إسماعيل صبري عبد الله، وكلاهما كالقديسين يعملان بالمجان بشكل كامل مشرفين علي هذا العمل البحثي العظيم والذي بدء بمجموعة من الدراسات عن المستقبلات العربية البديلة. ثم من بعد في مشروع مصر 2020 حيث تم إنتاج أكثر من 20 كتاب يعدوا بحق “وصف مصر” من جديد علي جميع المستويات فتحية له وللدكتور إسماعيل وكل من شاركوا معه في هذا العمل الفذ وعلي رأسهم الدكتور/ إبراهيم العيسوي الذي كان أبي دائماً يستشهد بكتابه عن الاقتصاد المصري.

على مرور السنوات رأيت أبى من خلال كذا مرآة، رأيته في مرآة الطفل والشاب وتعلمت منه الكثير. رأيته في مرآة الصديق والأخ والرفيق تناقشنا وتحاورنا واختلفنا قليلا واتقنا كثيرا. رأيته في مرآة الزوج المحب العطوف الذي يبذل كل ما عنده. رأيته في مرآة المعلم لأجيال من الرفاق والأصدقاء والمعارف في كل مكان تواجدت فيه داخل مصر وخارجها في مراحل حياتي المختلفة، قبل وبعد سفري إلى الخارج، يذكرونه كمعلم في الجامعة، في معهد الإدارة، وبالأخص في المعهد الاشتراكي. وأخيرا وليس آخرا أراه في عيون ودموع وقلوب هذا الجمع من التلاميذ والأصدقاء ورفاق المسيرة.

فألف شكر على حضوركم جميعا، وألف تحية لحزب التجمع على استضافة هذا الجمع الكريم. وشكرا

Advertisements