فريدة النقاش:نعيش أزمة حريات

 
نقلاعن مدونة”الغربال” 
 
 
 

فريدة النقاش:نعيش أزمة حريات

 
التقاها فى القاهرة محمد القذافى مسعود
تسعة وعشرون “29” عاما مرت على مشاركتها فى تأسيس وإصدار صحيفة “الأهالي” الحزبية وها هى اليوم كأول سيدة مصرية ترأس تحرير صحيفة معارضة فى مصر بعد أن ترأست لعدة سنوات تحرير مجلة “أدب ونقد” وصدرت لها سبعة كتب “7” فى مجال النقد الأدبى والفكري..

كما كانت ضمن مؤسسى حزب التجمع عام 1976 فى مصر..
هى الكاتبة الصحفية والناشطة الحقوقية فريدة النقاش التى التقيتها فى مكتبها حيث تعمل رئيس تحرير صحيفة “الأهالي” وكان لى معها هذا الحوار:

أزمة فكر
* تعانى الثقافة المصرية بشكل خاص والعربية بشكل عام من أزمة فكر، ما الأسباب؟ وأين تكمن الحلول؟

  • أريد أن أقلب السؤال وأقول انها أزمة ديمقراطية، أزمة حريات عامة وليست أزمة فكر فهناك أفكار كبيرة وهناك مثقفون كبار ويستطيعون أن يلهموا شعوبهم ويؤثروا تأثيرا قويا جدا فى تطور العملية الديمقراطية والسياسية فى البلاد ولكن القيود المفروضة على الحريات الديمقراطية فى الوطن العربى هى جزء من المشكلة..

أريد أن أذكرك أن التقرير الأول للتنمية البشرية فى الوطن العربى حدد ثلاث عقبات كبيرة تقف ضد تطور التنمية وضد تطور المجتمع العربى منها تدهور المعرفة، مستويات التعليم والبحث العلمي، غياب الحريات العامة، عدم تمكين المرأة، تدهور وضع المرأة..

فهذه المواقف الثلاثة تتفاعل فيما بينها لتنتج الحالة المأزومة التى تعيش فيها البلدان العربية كلها تقريبا دون استثناء -ربما استثناءات بسيطة- وتعطل التنمية رغم وجود ثروات بترولية هائلة فى الوطن العربى كان يمكن -لو استخدمت بشكل رشيد وأتيحت الفرصة للشعوب لكى تسهم فى استغلال هذه الثروات بشكل عقلاني- أن نصبح بفضلها فى مقدمة الأمم..

ويعود إلى ذاكرتى دائما أن ماليزيا دولة صغيرة جدا فقيرة فى الموارد ولكنها استطاعت أن تحدث طفرة كبيرة جدا عبر الاهتمام بالتعليم والبحث العلمي.
* ولكن هناك العديد من الباحثين والمراقبين يرون غير ذلك فالحجة الجاهزة لدى المثقف هى غياب الحريات..؟

– هذا هو تفسيري، أنا أعتقد أن المحنة محنة فى الواقع وليس فى الفكر، فى الواقع العربى وفى العلاقات السياسية وفى الحريات الديمقراطية وطابع الاقتصاد الريعى الذى نعيش عليه فى البلدان العربية وليس الاقتصاد المنتج الذى ترتفع فى ظله التنمية وقاعدة الاستثمار والإنتاج..

نحن أمة تنتج أقل مما تستهلك كثيرا جدا وتصدر أقل مما تستورد كثيرا جدا..
نحن نعيش عالة على العالم، رغم كل الثروات الهائلة التى نملكها، القضية هى فى الواقع وفى العلاقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية وليس فى الفكر.

معضلة الحريات
* بدأت الحريات تتراجع داخل مصر.. لماذا؟

  • هناك أسباب كثيرة جدا.. من ضمنها أن قطاعا من النخبة، قطاعا من المثقفين اختار أن يلتحق بالسلطة القائمة وأن يعمل كمبرر ومسوغ لكل إجراءاتها ولم يبتكر كثيرا فى ارتباطه بالقاعدة الاجتماعية والقاعدة الشعبية التى يشكل الارتباط بها قاطرة لابتداع مزيد من الهوامش الديمقراطية..

من جهة أخرى الأزمة الاقتصادية الاجتماعية التى يواجهها النظام ترتب باستمرار قيودا على الحريات فهناك اتجاه لإصدار قرار لمكافحة الإرهاب لأن الحركة الديمقراطية فى مصر تطالب بإلغاء الطوارئ منذ ثلاثين عاما فسيلغون الطوارئ ويضعون قانونا للإرهاب يصبح جزءا من القانون العام أى تقليد “الدولة البوليسية” ليس بحالة الطوارئ فقط وإنما بقانون دائم يصبح جزءا من القانون العادي، ….، فى مصر هناك دولة بوليسية راسخة الأركان تقوم على قاعدتين:

قاعدة القوانين المقيدة للحريات وقاعدة أخرى هى هذا التوسع المذهل فى مؤسسات الأمن وفى أجهزة الأمن، مباحث أمن الدولة، القضاء العسكري، البوليس العادي، الأمن المركزي..

وطيلة عشرين عاما صحف المعارضة كشفت فضائح كبيرة عن انتهاكات حقوق المواطنين فى أقسام الشرطة وفى السجون حيث تجرى عمليات تعذيب واسعة جدا، وبالطبع هذا المناخ كله استطاع من خلال القوانين المقيدة للحريات والممارسات القمعية أن يبث حالة من الفزع فى أوساط المواطنين فتتراجع الديمقراطية……….

* يجرى الحديث عن توريث الحكم فى مصر فهل سيتم فعلا ؟

  • على ما يبدو أن هذا هو التوجه الأساسى فمثلا قبل سنوات قليلة جدا قال الرئيس مبارك أن المطالبة بتعديل الدستور خيانة ومع ذلك فوجئنا بأنه فى سنة 2005 أعلن تعديل المادة “76” لتصبح الانتخابات تنافسية بين أكثر من مرشح من الحزبيين ثم فى 2006 أعلن رغبته أو قراره بتعديل الـ “34” مادة..

فى اعتقادى أن هذه التعديلات كلها المقصود منها هو إخراج عملية توريث جمال مبارك عبر الانتخابات، يعنى هو لا يستطيع لأنه هناك قوة وصراعات كبيرة، لا يستطيع أن يعينه نائبا وحين يتوفاه الله يصبح النائب هو بشكل اتوماتيكى كما ورث هو عن السادات وكما ورث السادات عن عبد الناصر يصبح النائب بشكل تلقائى هو مرشح الرئاسة..

هو لا يستطيع أن يفعل ذلك لأن هناك قوة كثيرة وصراعات سياسية قويى داخل الحكم فيريد أن يقدمه للناس عبر انتخابات تنافسية ولكن على شرط أن يؤمن له أن يكون هو المرشح الفائز الوحيد، هذه هى الحصيلة من وجهة نظرى النهائية التى ستترتب على تعديل المواد التى طرحها الرئيس للتعديل.

الطابع الاستبدادي
* يعنى هذا التعديل فى رأيك تمهيدا لتوريث الحكم؟
– نعم هو تمهيد لتوريث الحكم لأنه تعديل جزئى غير حقيقي، القوى الديمقراطية تطالب منذ زمن طويل جدا منذ جاء الرئيس مبارك إلى الحكم بدستور جديد أو بتعديلات جوهرية حقيقية، هذا التعديل يلعب دورين معا:

أنه تنقى الدستور من كل التوجهات الاشتراكية ويبقى من جهة أخرى على الطابع الاستبدادى السياسى للحكم ويفتح الباب لجمال مبارك لكى يدخل فى انتخابات تنافسية يكون هو فيها الفائز الوحيد.

* وهل هناك قوى قادرة على التغيير فى مصر اليوم؟

  • سوف يحتاج ذلك إلى وقت بطبيعة الحال، انظر إلى الإضرابات العمالية التى شملت البلاد فى كل المواقع الصناعية الكبرى خلال الشهر الماضي…، هذه قوى اجتماعية وهى إمكانية سياسية معتملة فى المستقبل لأن البلاد تعانى من أزمة اقتصادية اجتماعية عميقة جدا وأزمة تفاوت شديد بين مستويات المعيشة..

هناك الفئة الحاكمة المحدودة من أصحاب المليارات وهى تسير اقتصاد البلاد وسياساتها فى اتجاه مصالحها وليس فى اتجاه مصالح الطبقات الشعبية والأغلبية الكاسحة من المغصوبين..

فهناك دون شك قوى اجتماعية قادرة على التغيير ولكنها تفتقر إلى شيئين أساسيين: تفتقر أولا إلى التنسيق فيما بينها وتفتقر ثانيا إلى برنامج سياسى واضح المعالم تستطيع أن تتقبله القاعدة العريضة من المصريين وتدافع عنه، لا تتقبله القاعدة العريضة وتدافع عنه فقط وإنما يصبح برنامجها هي، هذه قضية عمل ديمقراطى طويل المدى سوف يستغرق وقتا..

لكن من حيث وجود القوى الاجتماعية انظر إلى الطبقة الوسطى المصرية خلال العامين الماضيين، حصلت احتجاجات منظمة ومظاهرات ومؤتمرات قوية لكل من أساتذة الجامعات، القضاة، المحامين، الصحفيين، المهندسين، كل هولاء يمثلون طليعة للطبقة الوسطى التى تتدهور مستويات معيشتها بشكل منتظم لتصبح أقرب إلى الطبقة الشعبية..
هذه قوى محتملة، هناك طاقة كامنة فى الطبقات الشعبية والطبقة الوسطى لو أمكن فى التحالف فيما بينهما لتغير الوضع فى مصر.

مسائل تكتيكية
* ما رأيك فى الإخوان المسلمين فى مصر؟

  • الإخوان المسلمون من وجهة نظرى يمثلون خطرا كبيرا على مستقبل البلاد من ثلاث زوايا، الزاوية الأولى أن برنامجهم الاقتصادى والاجتماعى كما عبّروا عنه فى كل الوثائق التى أصدروها يقع على يمين الحكم القائم من حيث إطلاق القطاع الخاص، اقتصاد السوق، خصخصة القطاع العام، بيع الشركات، انسحاب الدولة من ميدان الخدمات، تخفيض العملة، هو برنامج أقصى يمين الحكم القائم، هذه واحدة وطبعا نحن نعرف أن برنامج الحكم هو الذى أدى إلى النتائج التى تعيشها مصر الآن..

من ناحية أخرى هم يعتبرون الأقباط المصريين مواطنين من الدرجة الثانية و أهل ذمة، وهم يعترضون وقد اعترض صراحة أحد نوابهم فى البرلمان مؤخرا على مفهوم المواطنة وقال إنهم لا يدعون إلى المواطنة، الاعتراض على مبدأ المواطنة ماذا يعني؟

يعنى أن أهل الذمة الأقباط سوف يكونون أهل ذمة، أقلية دينية لا يحق لها ممارسة الحقوق والواجبات التى على المسلمين أن يلتزموا بها أو يؤدوها، والنساء عورة، المرأة هى عورة من وجهة نظرهم ينبغى إخفاؤها تحت الحجاب أو تحت النقاب أو فى البيت فالصفة الرئيسية للإخوان المسلمين هى إخفاء النساء واعتبار النساء لسن مواطنات وإنما رعايا لابد من فرض الوصاية عليهن، الوصاية الأبوية للأب أو للزوج أو للابن أو للأخ أو للمجتمع ككل.

* تقصدين إنهم كحركة طالبان مثلا ؟

  • تقريبا هى نسخة ولكن نسخة تتخذ شكلا عصريا متفتحا لكن فى واقع الحال ليس هناك أى خلاف وأنا أذكر هنا أن طالبان وجدت من بين كتاب الإخوان من يدافعون عنها، دافعوا عن ممارستها ضد النساء وضد الثقافة بصفة عامة..

مشروع الإخوان المسلمين هو مشروع يقود المجتمع المصرى إلى الخلف وإن كان يبدو فى الشكل انه مشروع معارضة، واقع الأمر انه ليس مشروع معارضة وإنما هو بديل مأزوم لوضع مأزوم هو بديل يقود المجتمع إلى الوراء.

* الدكتور عصام العريان أحد قادة الإخوان فى مصر قال إن الإخوان لا يسعون إلى الحكم ولا يفكرون فى ذلك؟

  • “بتعجب شديد” أوه… أوه كيف لا يفكرون فى الحكم وقد خاضوا الانتخابات ودفعوا ملايين، دفعوا عشرة ملايين جنيه فى دائرة خالد محى الدين لكى يسقط خالد محى الدين ودفعوا ملايين الجنيهات فى الانتخابات!

كيف لا يكون مشروعهم مشروعا للحكم وهم يريدون أن يقيموا الخلافة الإسلامية!..
لا طبعا.. الإخوان المسلمون عندهم إستراتيجية لا بد أن نفهمها جيدا، إنهم يصدرون مشروعهم الحقيقى فى وثائق ويختبرون ردود فعل المجتمع فحين يجدون أن الصدى ليس ايجابيا يغيرون الأفكار بسرعة شديدة جدا، هم برغماتيون…، حسب الظروف “معاك معاك.. عليك عليك”…، هناك مفهوم فى الفقه الإسلامى والتراث الإسلامى هو مفهوم “التقية” صحيح هذا المفهوم هو أقرب إلى الشيعة منه إلى السنة والإخوان المسلمون سنة طبعا ولكن “التقية” أن تظهر مالا تبطن وقد عبر النائب فى حالة حماس عن الواقع الفعلى “إننا ضد المواطنة..”…

المواطنة ماذا تعني؟
ببساطة شديدة حقوق وواجبات لكل الناس بصرف النظر عن الدين أو الجنس أو الأصل أو الطبقة فهم ضد هذا المفهوم قالها الرجل بصراحة، المرشد العام السابق قال: نعم سوف لا يدخل الأقباط الجيش لو وصلنا إلى الحكم ويدفعون الجزية هذه وثائق مسجلة، هم الذين وقفوا بمنتهى القوة ضد حرية الفكر والتعبير وأرهبوا المفكرين وحرضوا ضد نجيب محفوظ وضد فرج فوده وقتل فعلا فرج فودة..

هذا مشروع جهنمى سوف يقود البلاد إلى هاوية أسوء بكثير مما نحن فيه الآن وللأسف الشديد هناك مثقفون فى مصر لا يدركون هذا المآل الخطر ويتوقفون عند بعض الجزئيات ومنها أن الإخوان يعارضون الحكم ولا يدركون أن هذه المعارضة هى مسائل تكتيكية ولا يختلف برنامجهم السياسى الاقتصادى والاجتماعى عن برنامج الحكم القائم.

اقتصاد السوق واطفال الشوارع
* ظاهرة أطفال الشوارع من يقف وراءها؟ وهل هناك من يستفيد من وجودها سياسيا؟

  • تقف وراءها طبعا مجموعة السياسات الاقتصادية والاجتماعية التى أدت إلى انقسام المجتمع بين أقلية غنية وأغلبية شديدة الفقر حطمت الريف المصرى فأدت إلى هجرة متزايدة من الريف إلى المدن فتفككت الأسر وانهارت فخرج الأطفال إلى الشوارع هى ظاهرة إدانة للنظام الاقتصادى الاجتماعى القائم فى مصر..

هى علامة على فشله الذريع فى إحداث تنمية حقيقية، هو يدعى أن اقتصاد السوق وبيع شركات القطاع العام وانسحاب الدولة وصفة لتنمية أفضل، ولكنها من وجهة نظرى وصفة لكارثة من نتائجها أطفال الشوارع.

* صحف المعارضة ألا ترين معى أنها تسير من الكشف والتنوير إلى الرتابة والتشاؤم؟

  • التشاؤم لا.. نحن على الأقل -أتحدث عن “الأهالي”- لسنا متشائمين، نحن متفائليون بنمو الحركة الشعبية وقدرتها المتزايدة على أن تكشف أرضا جديدة وأن تحدث التغيير إلى الأفضل الذى يتطلع إليه الشعب المصري..

ولكن الأوضاع فظيعة، يعنى يكفى أن تتأمل فى ظاهرة الفساد، الفساد الفظيع، هذه الأموال بالمليارات التى نهبها من يسمون أنفسهم برجال الأعمال هرب منهم من هرب وأخذ منهم من أخذ ليبنى مدن الأحلام والمحطات التلفزيونية والناس يسكنون “الأعشاش” والأخربة والمقابر..

هذه أوضاع تدعو إلى التشاؤم ولكنى أقول دائما مع غرامشى أنه عندما يهيمن عليك تشاؤم الذكاء فعليك أن تلجأ إلى تفاؤل الإرادة يعنى أن هناك قوى سياسية واجتماعية وثقافية تستطيع أن تعمل فيما بينها وتنسق جهودها من أجل تغيير الواقع ربما تكون هذه مسيرة طويلة وسوف تحتاج إلى زمن طويل ولكن لابد أن نعمل ولا ننتظر نتائج مباشرة ويومية لهذا العمل ربما من هنا كانت فكرة التشاؤم التى خرجت بها..
وعلى أى حال أنا لا أحب أن أقارن كل صحف المعارضة ببعضها البعض……

* يعنى أنت متفائلة…؟!

  • تاريخيا نعم، أنا متفائلة تاريخيا، وربما فى الواقع الراهن هناك أسباب كثيرة لعدم التفاؤل لكن على المدى التاريخى أنا متأكدة من هذه الفكرة التى ندافع عنها والمشروع، تغيير المجتمع الشامل الذى نؤمن به ونؤسس له سوف يجد لنفسه مكانا فى النهاية.

عودة ظاهرة “بنات التراحيل”
* المرأة فى مصر فى الريف، “بنات التراحيل” ظاهرة عادت إلى الظهور على أرض الواقع؟

  • هذه شأنها شأن ظاهرة أطفال الشوارع، هى نتيجة حزمة السياسات، نتيجة السياسات التى تتبعها الحكومة بأوامر من صندوق النقد الدولى والبنك الدولى وهيئة المعونة الأمريكية..

فمثلا الحكومة المصرية لم تتورع سنة 1992 عن إصدار قانون يلغى قانون العلاقة بين المالك والمستأجر فى الأراضى الزراعية ويؤدى إلى طرد مئات الآلاف من الأسر الفلاحية التى استقرت فى الأرض منذ قانون الإصلاح الزراعى الذى أصدره جمال عبد الناصر..
فأخذ هؤلاء يهاجرون إلى المدن ونشأت الأحياء العشوائية التى أصبحت أكثر من ألف ومائتين حى عشوائى “1200” أحزمة الفقر والبؤس حول كل المدن الكبيرة فى مصر الآن جاءت من الريف وبطبيعة الحال تبرز فى هذا السياق ظاهرة عمال “التراحيل” وعاملات “التراحيل”.

* “المثقفون هم من تؤول إليهم بقوة الأمر الواقع مهمة إنجاز النضال السياسى الديمقراطى وتعرية الخلفية الاستبدادية للأنظمة الحاكمة “ هؤلاء المثقفون وأمام كل الصعوبات التى يواجهونها إلى أى حد يكونون موضع ثقة لدى الجماهير؟

  • هذه هى واحدة من المعضلات الكبيرة قطاع من المثقفين آثر أن يكون صوتا للحكم القائم من أجل منافع، بعض المنافع والمصالح والمواقع والمناصب والخ..

ولكن هناك مثقفون آخرون هناك قطاع آخر يحاول أن يعمل فى أوساط الجماهير…

* ما هو المطلوب من المثقف؟ وماذا تبقى من دوره؟

  • ما تبقى للمثقف هو أن يحفر فى الصخر من أجل علاقة حميمة ووثيقة مع القاعدة الاجتماعية التى تسعى أفكاره للتعبير عنها، أن يكون فعلا فى قلب الناس وأن يكون تعبيرا عن من لا صوت لهم، أن يكون هو صوت من لا صوت لهم أن يتعلم من الجمهور ولا يقع فى وهم أنه هو الذى سيعلم فقط لأنه مثقف..

الثقافة بمعناها الواسع هى خبرة حياة والجمهور الواسع القاعدة الواسعة من العمال والفلاحين والمهنيين والطبقة الوسطى لديها خبرة فى الحياة واسعة جدا جدا فالمثقف الطليعى -أنا أركز هنا على المثقف الطليعي- هو الذى لديه مشروع للتغيير وليس مثقفا حرفيا فقط..

وهنا أريد أن أتوقف أمام مفهوم النجاح هناك قطاع من المثقفين، أنا بصفة عامة ضد التعميم ضد أن أقول المثقفين، كل طبقة لها مثقفوها، كل فئة اجتماعية ولها مثقفوها وكل اختيار هو اختيار ثقافى يعنى أنا إذا اخترت أن أدافع عن الاشتراكية فهذا اختيارى وعليّ أن أسعى بكل قدرتى لكى يكون هذا الاختيار موضع اختبار لدى القاعدة الاجتماعية التى أتطلع إلى التعبير عنها أو إلى الوقوف فى صفوفها فمفهوم النجاح يحتاج إلى إعادة نظر..

كثيرون يرون أن النجاح هو مجرد الوصول إلى موقع مهنى مرموق أو الوصول إلى الأضواء والإعلام الخ هذا من وجهة نظرى نجاح قاصر، النجاح حسب رأيى فيه هو قدرتى على أن أكون موجودة فعلا ومؤثرة فعلا وفاعلة فعلا فى أوساط القاعدة الاجتماعية التى أسعى للتعبير عنها.

* بما تفسرين ظاهرة انتشار الدعاة اليوم فى كافة وسائل الإعلام؟

  • هذا أسميه ” الإسلام بيزنس” يعنى هؤلاء يرتزقون من الدين وهذا أسوء شيء يمكن أن يحدث للدين كرسالة إنسانية سامية.

* فى برنامج “الحدث” على قناة LBC اللبنانية حصلت مناظرة بينك وبين الدكتورة عبلة الكحلاوى قلت فيها انك “لن تتحجبى أبدا” رفضك للحجاب بهذه الشدة هل كان لعدم رغبتك فيه أم لعدم قناعتك بفرضيته الدينية؟

– أولا أنا مع الحرية حرية المرأة فى اختيار ملابسها فلماذا نفرض على المرأة بالذات زيا؟ ولا نفرض على الرجل زيا هذا بداية تمييز وعدم مساواة هذه نقطة..
النقطة الثانية إذا اختارت المرأة الحجاب بحرية فهذا حقها وأنا أدافع عن حقها ولا أتدخل فيه أنا مع الحرية الشخصية إلى آخر مدى..

ولكن تحليلى لظاهرة الحجاب انه لا يعبر عن اختيار حر هو تعبير عن نوع من القمع الروحى بفكرة أن المرأة إذا لم تضع الحجاب يكن مآلها النار والعذاب والخ..
من هنا أنا أرفض الحجاب هو عملية قمع روحى للمرأة والمرأة تقوم هى نفسها بقمع نفسها عندما تنظر إلى شعرها باعتباره عورة أو إلى وجهها أو إلى جسدها باعتباره عورة فهذا تشويه للوعى بالذات لوعى الإنسان بذاته..

ثانيا هناك جدل واسع بين رجال الدين حول الحجاب كفريضة، الإسلام كما نعرف له فروض خمسة ليس من بينها الحجاب..
وهناك باحثون وفقهاء تقاة مثل جمال البنا وسعيد عشماوى بحثوا فى الدين ويؤكدون انه ليس فريضة على الإطلاق.

* يقول عبد الاله بلقزيز فى كتابه “نهاية الداعية” “وكما تحرم سلطة الدولة كل عصيان عليها، تفعل السلطة الحزبية الشيء نفسه فترجم معارضيها رجما وكما الديمقراطية معدومة فى الأولى كذلك الأمر فى رديفها الحزبي” الخ ما هو رأيك أنت؟

– أنا ضد التعميم ليست كل الأحزاب تمارس هذا النهج ولكن بطبيعة الحال عندما يكون المجتمع نفسه مبنيا على مؤسسات قمعية فشيء طبيعى أن تصل هذه العدوى إلى الأحزاب ولكن هناك أحزاب تمارس الديمقراطية فى داخلها وهناك صراع من أجل مزيد من الحريات الديمقراطية وأنا لا أريد أن أكون متعصبة لحزب التجمع نحن نعقد مؤتمرنا كل سبع سنوات وننتخب كل قياداتنا..

مثلا مؤخرا كانت لدينا انتخابات للأمانة العامة فى محافظة من أهم المحافظات فى مصر هى محافظة الدقهلية ونجح زملاء ولم ينجح آخرون هل هذه عملية قمعية؟

هذه عملية ديمقراطية طبعا تواجه المصاعب الموجودة فى المجتمع والموجودة فى نظام الدولة لكن هناك أحزاب ومؤسسات تمارس الديمقراطية فى داخلها مثلا نحن أدخلنا بندا فى اللائحة المادة “8” تمنع بقاء أى من الأعضاء الحزبيين فى موقعه لأكثر من دورتين متواليتين..

ولهذا خرج خالد محى الدين من رئاسة الحزب وأدخلنا مسمى الزعيم التاريخى للحزب لأنه قضى دورتين فى رئاسة الحزب، نحن نطالب بذلك لرئيس الجمهورية ونمارسه فعليا فى حزبنا هناك ممارسة ديمقراطية داخل حزب التجمع، بطبيعة الحال تشوبها بعض المثالب هنا أو هناك لكنها ممارسة ديمقراطية حيوية جدا فليست كل الأحزاب شيئا واحدا..

فكرة التعميم والمماثلة بين الحكم والمعارضة هذه فكرة عدمية من وجهة نظري.
* هل ظلم عبد الناصر المثقفين فى عهده؟

  • “آه طبعا أوه ظلمهم ده موتهم فى السجون” ومات ناس تحت التعذيب فى السجون من الشيوعيين ومن الإخوان المسلمين، طبعا ظلمهم..

هذا فى اعتقادى ما أسميه “كعبا أخيرا” فى التجربة الناصرية إنه لاحق المثقفين وعذبهم وفتح أبواب السجون أمامهم وحل الأحزاب ورفض فكرة التعدد فكانت النتيجة هى 67 الهزيمة الفاجعة فى 67..
ولكن هذا لا ينفى أن عبد الناصر زعيم وطنى عظيم هذه هى النظرة الجدلية للأمور أن ترى كل الصورة من كل زواياها.

 
 
تاريخ النشر:
Advertisements