طريقة بناء الديمقراطية

التربية الديمقراطية

طريقة بناء الديمقراطية

 
 

د. جينا بسطا

 

 

     
 

منذ فترة أتابع بألم بالغ حلقات الكوارث المتصلة من انهيارات طبيعية يذهب ضحيتها فقراء، وحرائق تحدث سواء بفعل فاعل أو بفعل الاهمال تلتهم ما تبقي لنا من ثروة قومية تاريخية، وخطف للسياح من شأنه أن يقضي علي أهم مصادر الدخل القومي لدينا.. وأشد ما يؤلم وسط هذه المآسي هو ما اتسم به رد الفعل الشعبي من لامبالاة ونزعة للتشفي والغل الدفين. وهذا ينم – في تقديري – عن شعور عام بالاغتراب تجاه وطن بخل علي مواطنيه بكل شيء بينما لم يبخل عليه نفس هؤلاء المواطنون فيما مضي من الزمن بالدماء، بل أعتقد أن هذه نتيجة حتمية لغياب الديمقراطية لعقود طويلة عن حياة المصريين.

ولأن رحي العولمة أصبحت تسحق الجميع ولأنه لم يعد من المقبول المجاهرة بالأنظمة الشمولية علي خريطة العالم السياسية، أصبحنا نري ونسمع في بلادنا ما لا يحصي من مشاهد «مسرحية» تحاكي التجارب والممارسات الديمقراطية ولكنها لا تعدو كونها مشاهد فارغة من المعني «لا تغني من جوع» وليس أدل علي ذلك مما تسوقه مختلف وسائل الاعلام من تقارير جماهيرية أو استطلاعات للرأي في محاولات مستميتة للإيحاء بحالة من الديمقراطية الكاذبة تكشف (من حيث أرادت أن تخفي) عن مأساة حقيقية وهي مدي ضيق الأفق والجهل الذي يتخبط فيه مواطنو هذا البلد وبالذات الشباب منهم، ممن ستؤول إليهم مسئولية إدارة الدولة بعد عقد أو اثنين من الزمان.

كيف يكون ذلك ونحن بصدد أجيال جديدة معظمها خاوي الذهن لا يملك فكراً ولا يجيد قولا. أجيال تتصرف بعقلية القطيع وتجبن عن التطلع إلي آفاق معرفة جديدة ولا تبغي تميزا ولا تقدما بفضل الاستمرار في مستنقع الوضع القائم علي الخروج علي المألوف من أجل التلامس مع الحياة الحقيقية، أجيال تتقاعس عن بذل أدني مجهود دون ضمان «النتائج» مسبقا، ولسان حالهم «ماذا نستفيد»؟ ولا داعي للتنويه أن الإفادة المرجوة يتحتم أن تكون ذاتية بالدرجة الأولي وفورية بغض النظر عما تقدمه من قيمة. فإن واجهوا اختيارا أو فكراً سياسيا يكون الرد الجاهز «أنهم مالهمش في السياسة» وكأن السياسة نقيصة أو وصمة عار لا ينبغي أن يتسم بها من أراد لنفسه حياة كريمة!!

وهذا إن دل انما يدل علي غباء وجهل عميقين لأن من يسأل ماذا سيفيد – إن هو مارس حقوقه كمواطن حر وكشخص ناضج، ذي كيان فاعل ومؤثر – هو شخص فاقد للرؤية، لا يدري قيمته بالنسبة لمجتمعه، اشبه ما يكون بحيوانات السيرك التي لا تتحرك ولا تأتي ألعابها البهلوانية إن لم يقدم لها المدرب «المكافأة التشجيعية» (قطعة الحلوي أو السمكة أو….).

الحقيقة، أن ما نعانيه سببه المباشر هو غياب «التربية الديمقراطية» (إن جاز التعبير) في مختلف مراحل حياة المواطن المصري. لهذا فالاقتراح هو الاهتمام بنشر تلك التنشئة الديمقراطية بين المواطنين منذ نعومة أظفارهم حتي يشبوا وقد اكتسبوا مجموعة من القيم تساعدهم علي الحياة بشكل آدمي ومتزن ومستنير وإلا فالشيء المؤكد أنه لن يسعد حاكم بحكمه حين يكتشف أن محكوميه ليسوا سوي أشباح من الغوغاء لا جدوي من ورائها.

ماذا لو صدر كتاب «للتربية الديمقراطية» علي نهج كتاب «التربية القومية» الذي أصبح مجرد تحصيل حاصل، يأخذه تلاميذ المدارس فيزجون به في قاع أدراجهم ولا يفتحونه إلا قبل الامتحان بدقائق معدودة عالمين أن ما به هو من قبيل «كلام الإنشاء» وأن الامتحان ليس سوي مادة محشورة لا رسوب فيها ولا مجموع لها ولهذا فهي بلا جدوي وتنال ما تستحقه من إهمال وتهميش.

ماذا لو صدر كتاب كهذا علي أن يكون موجها للمعلمين فقط دون التلاميذ: بمعني أن نكف عن إمدادهم بكتب جديدة ترهق ميزانية الدولة ويكون نصيبها التهميش أو الإلغاء ولكن يكتفي بتوزيعه علي المعلمين مع التوصية بوضع ما به من مادة موضع التنفيذ من خلال التعامل المباشر مع تلاميذهم.

– لذا اقترح أن يحتوي ذلك الكتاب علي مادة عملية واقعية تتصل بكيفية تعامل المعلم مع تلاميذه بحيث يضع مفهوم الحرية والديمقراطية موضع التنفيذ فيتعود هو ويعود تلاميذه علي إبداء الرأي جهرا أيا كانت قيمته وعلي احترام الرأي الآخر واعطائه الفرصة الكافية للتعبير وعدم التقليل من شأنه علي ألا تخصص حصة بعينها لتدريس ذلك الكتاب ولا يعد مادة يتم فيها الامتحان صوريا كما هو الحال دائما، ولكن يتم تطبيق الأهداف المرجوة من خلال جميع المواد الدراسية الأخري ومن خلال اليوم الدراسي العادي.

– كما اقترح عودة الاسئلة المقالية التي تسمح للطالب بإبداء الرأي (ولكن دون تلقين مسبق) وتتجلي بها الفروق الفردية وخصوصا في المواد المرتبطة بالعلوم الإنسانية (كالتاريخ واللغات.. مثلا) وكفانا التمسح في كل ما هو مستورد ودخيل مثل أسئلة Multiple choice التي تم تعميمها في امتحانات جميع المواد الدراسية حتي المواد النظرية بدعوي «تطوير العملية التعليمية ومواكبة العصر».

أعتقد أن مسيرة المشروع الديمقراطي لن تستقيم إلا بتربية النشء تربية ديمقراطية سليمة، هذا ان كنا جادين في تلك الرغبة. ونهدف إلي تنشئة طلاب جامعيين لا يعرضون عن «انتخابات الاتحادات الطلابية» أو خريجين يصنعون القرار في بلادهم وليس «قطعان» تضاف إلي قائمة «من تعولهم الدولة».

لأن الديمقراطية لا تتأتي بالخطب ولا بتطعيم مختلف الكتابات بألفاظ رنانة تتناسب مع الموجة الجديدة، فالأمر ليس «موضة» كما أن الديمقراطية ليست اكتشافا جديدا فأقدم نظم الحكم في العالم القديم كانت في الأصل ديمقراطية (الاغريق قديما) ولم يبطل العمل بها إلا عند ظهور الأديان ومن استغلوها لكي يصلوا إلي مآربهم في السلطة المطلقة والطغيان خادعين من حولهم باسم السلطة الإلهية للحاكم.

يبقي أن نعرف ما نريد حقيقة لا ما ينبغي أن نحمل به واقعنا المؤلم

Advertisements