ليس دفاعاً عن التجمع واليسار.. ولكن انتصارا للحقيقة

لليسار در …

ليس دفاعاً عن التجمع واليسار.. ولكن انتصارا للحقيقة

حسين عبدالرازق

تحت عنوان «اليسار في مصر.. ضجيج عمالي بلا طحين» إلي جانب شعار «المطرقة والمنجل» الشهير الذي يرمز إلي الشيوعية، أفردت صحيفة «المصري اليوم» صفحتها الحادية عشرة يوم الجمعة الماضي لقراءة نقدية للأحزاب والقوي اليسارية في مصر، حسب مفهومها المحدد لليسار والذي يقصره علي الأحزاب والحركات الشيوعية والماركسية فقط (!)، وهو أمر جدير بالترحيب خاصة صحيفة «المصري اليوم» «الليبرالية» التي تحظي باحترام وتقدير المثقفين والمهتمين بالشأن العام والصحافة الجادة، حرصت منذ سنوات علي إبعاد اليساريين – بمفهومها هذا لليسار – عن صفحتها.

ورغم أن بعض العناوين لموضوعات الملف الذي أعده الزميل «أحمد رجب» يوحي بموقف منحاز ضد اليسار، فالتجمع «حزب أتلفه الهوي والتوافق مع النظام»، والحزب الشيوعي «الدهن ليس في العتاقي دائما».. فالجهد المبذول في الموضوع – وبصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف – يفرض الاشتباك معه والتعليق عليه.

مقارنة خاطئة

ولا يقلل من هذا الجهد بعض الأخطاء التي وردت في موضوعات الملف.. مثل القول بأن بداية التحول من نظام الحزب الواحد إلي نظام التعددية الحزبية كان في عام 1974 بقرار الرئيس الراحل السادات بإنشاء «المنابر» داخل الاتحاد الاشتراكي، فالصحيح أن دعوة السادات لإنشاء المنابر بدأت عام 1975 ولم تتحقق عمليا إلا في 29 مارس 1976 بقيام منبر مصر العربي الاشتراكي «الوسط» ومنبر التجمع الوطني التقدمي الوحدوي «اليسار» ومنبر الأحرار الاشتراكيين «اليمين» بقرار من الاجتماع المشترك للجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي العربي ومجلس الشعب.. أو نسبة كلام لصلاح عدلي القيادي بالحزب الشيوعي المصري نفي بشدة أنه قاله أو أنه يعبر عن رأيه أو رأي الحزب الشيوعي، خاصة الفقرة التي تقول إن قيام التجمع تسبب في تشتيت اليسار بسبب قصور أدائه والإحساس الدائم بأن حزب التجمع لا يعارض ولكنه «بيمثل أنه بيعارض».

واكتفي في هذا التعليق المختصر بعدد من الملاحظات حول بعض ما ورد في الملف أراها ضرورية.

> قام المحرر في مقدمة الملف بإجراء مقارنة بين «اليسار» – كما حدد مفهومه – وبين جماعة الإخوان المسلمين منتهيا إلي أنه «برغم التاريخ القديم نسبيا – مقارنة بالأحزاب والحركات السياسية الأخري – للحركة الشيوعية المصرية، الذي يمتد نحو تسعة عقود، فإن الملاحظة الجديرة بالذكر أنه في الوقت الذي تنامي فيه دور جماعة الإخوان علي الساحة السياسية انكمش دور قوي وحركات اليسار وتحولت أغلب فصائله إلي جزر منعزلة محدودة التأثير».

وهي مقارنة خاطئة تتجاهل حقائق أساسية، أهمها أنه منذ أقدم سعد زغلول باشا زعيم الوفد ورئيس الوزراء علي حل أول حزب شيوعي مصري في عام 1924 بعد تأسيسه عام 1921، والحركة الشيوعية المصرية بجميع فصائلها وتياراتها غير معترف بها قانونيا ومجبرة علي العمل سرا «تحت الأرض» سواء في ظل النظام الملكي أو النظام الجمهوري وحتي اليوم، وتعرض قادتها وكوادرها للاعتقال والمحاكمات والتعذيب والقتل والفصل من العمل.. إلخ، بينما سمح للإخوان بالتواجد القانوني والرسمي والعملي فترات طويلة (من 1928 إلي 1948 ثم من 1952 إلي 1954 وأخيرا من 1972 – عندما أفرج السادات عنهم وتحالف معهم لمواجهة الشيوعيين والناصريين في الجامعات – وحتي الآن)، وتسجل صفحات التاريخ تحالف الإخوان مع الملك فاروق في بعض الفترات ومع السادات في فترة تالية، وإن كان الإخوان قد تعرضوا للاعتقال والتعذيب والمحاكمات العسكرية والقتل في فترات مختلفة.

مسافة كبيرة

تعرض حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي بعد الإشادة بدوره في السبعينيات والثمانينيات لنقد حاد غير منصف واتهامات غير صحيحة وربط بين أزمته وانهيار الاتحاد السوفييتي، يقول محرر الملف في مقدمته «أما اليسار الرسمي ممثلا في حزب «التجمع» فقد ساهم هاجس التوازن مع الحزب الحاكم ومواجهته التيار الإسلامي في فقدانه جزءا لا يمكن إغفاله من جماهيريته التي بلغت ذروتها نهاية السبعينيات بعد سنوات قليلة من تأسيسه»، وتنقل المصري اليوم عن بعض اليساريين قولهم إن مشكلة التجمع ترجع إلي طبيعة تأسيسه «من فوق» مما أعطي انطباعا بأنه «بتاع الحكومة» بالإضافة إلي دخوله في تحالفات مع النظام مما ساهم في تمييع بعض القضايا المهمة وعدم حسمها خاصة مع تغيير مواقف قادته 180 درجة، بينما يقول يساري آخر إن «إشكالية التجمع الأساسية تعود إلي قيادته الممثلة في رفعت السعيد ودخوله في علاقة تحالف مع السلطة وتمسكه بأن هناك خطوطا حمراء لا يمكن تجاوزها، وهو ما أدي إلي سقوطه في «فخ الشرعية» التي حكمت علي الحزب أن يكون دائما خلف القوي الوطنية بمسافة كبيرة وأن يتحول من صانع للحدث في الماضي إلي متابع ومستهجن فقط»، وتضيف «المصري اليوم» «وعادة يقوم التجمع بانتقاد الإخوان في كل المناسبات ويراهم فصيلا سياسيا متطرفا تجب مقاومته»، وتضيف «ومع مرور السنوات بدأ الحزب في التراجع والسقوط سريعا مثل بقية الأحزاب اليسارية في العالم مع بداية سقوط الدب الروسي وتفكك الاتحاد السوفييتي»، ثم تقول المصري اليوم «ويستمر الحزب في التراجع ليتوج هذه المرحلة بتغيير برنامجه السياسي في مؤتمره العام سنة 1999 (الصحيح أن المؤتمر العام كان عام 1998 وقرر إصدار برنامج جديد وكلف اللجنة المركزية بالصياغة النهائية وإصداره، وأصدرته بالفعل عام 1999)، والذي أعلن فيه تخليه عن الاشتراكية.

والصحيح أن حزب التجمع منذ السبعينيات وحتي اليوم ظل في موقع المعارضة للحكم القائم سواء تحت رئاسة السادات أو حسني مبارك، رافضا سياساته ومواقفه، ولم يدخل في أي مرحلة في تحالف أو تنسيق معه، بل ولعب دورا أساسيا في تجميع أحزاب وقوي المعارضة ضد هذا الحكم في جميع المراحل – بما في ذلك مع الإخوان المسلمين في أقصي اليمين والحزب الشيوعي المصري في اليسار – فتشكلت لجنة التنسيق بين الأحزاب والقوي السياسية عام 1995 من أحزاب التجمع والوفد والعمل والأحرار والناصري والإخوان المسلمين والحزب الشيوعي المصري، ومارست نشاطا سياسيا طبقا لبرنامج مشترك للإصلاح والتغيير السياسي والدستوري حتي عام 2000.

كذلك لم يكن قيام التجمع والتعددية الحزبية المقيدة عام 1976 قرارا «من فوق» أو مجرد مبادرة من السادات وسلطة 15 مايو واستجابة لضغوط خارجية ولكنه جزء من التطورات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي مرت بها البلاد منذ هزيمة 1967 وانقلاب القصر في 13 إلي 15 مايو 1971 وحرب أكتوبر 1973 وجاء الاعتراف المشروط بالتعددية الحزبية المقيدة نتيجة لثلاثة أسباب:

1- تطور النضال وتضحيات الحركة الجماهيرية المصرية واتجاهها إلي التعبير المستقل عن مطالبها ومحاولتها بناء أشكال تنظيمية مستقلة، خاصة عمال المصانع والمهنيين والمثقفين وطلاب الجامعات والحرفيين والفلاحين والحركة الفلاحية.. مثل الإضرابات الطلابية عامي 1972 و1973 وتكوين اللجنة العليا لطلاب جامعة القاهرة وإنشاء نادي الفكر الاشتراكي ونادي الفكر الناصري، وصدام السلطة مع فلاحي كمشيش في يونية 1971 وانتفاضة أبوكبير والإضرابات العمالية أعوام 72 و73 و1975، وإقامة تنظيمات ماركسية «الحزب الشيوعي المصري – حزب العمال الشيوعي – 8 يناير)، ودور النقابات المهنية في التعبير السياسي خاصة نقابتي الصحفيين والمحامين مما دفع السادات لإصدار قرارات في فبراير ومارس بفصل 102 صحفي ومحاولة فصلهم من النقابة.

2- ازدياد التمايز الاجتماعي واتساع نطاق الفوارق بين الطبقات الكادحة والوسطي والطبقات المستغلة، واستعجال النتائج الاجتماعية السلبية لظاهرة ازدياد الفقراء فقرا وازدياد الأغنياء غني مما حتم الاعتراف بقدر من التميز السياسي.

3- تهيئة المناخ المناسب لتشجيع الاستثمار الأجنبي، حيث لم تحقق سياسة الانفتاح الاقتصادي ما كان متصورا من تدفق رءوس الأموال الأجنبية حسب تصور الحكم.

دور مصر

وكان اليسار هو المبادر للدعوة للتعددية السياسية والحزبية، سواء في عدة مقالات نشرتها في صحيفة الجمهورية في مارس 1972، أو ما كتبه ميشيل كامل في الطليعة، أو الاقتراح الذي تقدم به كل من خالد محيي الدين ود. محمد الخفيف خلال مناقشات لجنة تطوير الاتحاد الاشتراكي والعمل السياسي.

ولا يشكل البرنامج العام للتجمع الصادر عام 1999 أي تراجع عن مبادئ ومواقف الحزب الأساسية أو تخلي عن الاشتراكية، «وأي قراءة هادئة لبرنامج الحزب الصادر عام 1980 وبرنامجه الحالي الصادر عام 1999 سيجد أن هناك ثوابت مبدئية لم تتغير في البرنامجين مثل الاشتراكية والديمقراطية وضمان الحريات العامة وحقوق الإنسان والانحياز للطبقات الشعبية والمنتجة والاهتمام بالمرأة والشباب، والاستقلال الوطني ومكافحة الاستعمار والإمبريالية والعنصرية ودعم حركات التحرر الوطني ودور مصر الإقليمي والعربي.. ومن هنا كان الشعار واحدا في البرنامجين.. الحرية والاشتراكية والوحدة، ولكن التغيير بعدما يقرب من 20 سنة ضرورة تفرضها تطورات عديدة أدت إلي نشوء واقع جديد يختلف كثيرا عما كان قائما عند تأسيس الحزب سواء، فيما يتعلق بالإطار السياسي أو الأداء الاقتصادي أو التكوين الاجتماعي أو النسق الثقافي، كما شمل التغيير الإطار الإقليمي والدولي الذي تتحرك فيه مصر».

والإلحاح الدائم من بعض اليساريين علي تحميل د. رفعت السعيد المسئولية عن أزمات التجمع واليسار وأي سلبيات في أدائه، فيها ظلم كبير لرفعت السعيد وحزب التجمع: إن هؤلاء يصورون د. رفعت السعيد وكأنه شخصية أسطورية كلية القدرة تقول للشيء كن فيكون وأن قيادات الحزب الأخري ومؤسساته هم مجموعة من الأصغار الخاضعين الخانعين، وفي هذا التصور مجافاة للحقيقة وظلم بين لرفعت السعيد والحزب.

مواجهة الأزمات

لا أحد ينكر كفاءات وقدرات رفعت السعيد وتأثيره الكبيرفي اتخاذ القرار الحزبي ونسج علاقاته السياسية والتنظيمية، ولكنه ليس وحده في هذا فهناك عشرات من القادة الأكفاء والقادرين في المستويات الحزبية المختلفة تلعب نفس الدور وبكفاءة وطبقا لمسئولياتها الحزبية، ومن يقرأ اللائحة الداخلية يدرك أن سلطات الأمين العام أكبر بكثير من سلطات رئيس الحزب، والأهم أنه لا يوجد قرار فردي في التجمع فكل القرارات والمواقف تتم صياغتها وإقرارها في الهيئات الحزبية، وصوت رئيس الحزب فيها صوت واحد مثل أي عضو في الهيئة.

إن ذكر هذه الحقائق لا يعني أنه لا توجد اجتهادات مختلفة وخلافات حول المواقف وأحيانا صراعات داخل حزب التجمع، ولكن المنهج الديمقراطي السائد لائحيا وعمليا في التجمع يؤدي إلي حلها بطريقة صحيحة وقبول الأقلية لقرار الأغلبية وحرص الأغلبية علي أخذ رأي الأقلية في الاعتبار، ومعالجة أي أخطاء أو نواقص عن طريق الحوار والتوافق ما أمكن ثم اللجوء للتصويت في النهاية.

كذلك فلا يعني ما سبق أن التجمع لا يواجه أزمات في علاقاته بالجماهير والرأي العام لكنها لا تعود إلي تراجع دور اليساري بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، فالتجمع لم يكن يوما حزبا تابعا للحركة الشيوعية العالمية أو الاتحاد السوفييتي أو غيره، ولا يتحمل التجمع مسئولية هذا التراجع وحده، فهناك حقيقة ثابتة تعاني منها جميع الأحزاب والقوي السياسية، وهي انصراف المواطن المصري عن العمل السياسي بجميع صوره وأشكاله من مجرد التصويت في الانتخابات العامة إلي الانضمام للأحزاب إلي المشاركة في مظاهرة أو إضراب سياسي، وهي ظاهرة سلبية خطيرة تهدد حاضر مصر ومستقبلها وتتطلب من التجمع وجميع القوي الديمقراطية عملا متصلا للقضاء عليها.

Advertisements