مناطق تنتظر غضب الجبل

مناطق في القاهرة لاتسمع في منازلها حاليا سوي أصوات الخوف يلازمها الرجاء والدعاء بألا يكون مصيرهم مثل ضحايا كارثة الدويقة، فقد كتب عليهم القدر أن يعيشوا نفس الظروف في مساكن احتضنها الجبل الذي يثور حينا ويهدأ احيانا، ولكن ثورته قد تنهي حياة وتشتت أسراً، الفزع أصبح عنوانا لحياة هؤلاء الناس الذين اختاروا هذه المواقع رغما عنهم لأسباب تبدأ بالفقر والحاجة وتنتهي بسياسة حكومة لاتوفر لمواطنيها حقا مهماً من حقوق الإنسان ألا وهو الحق في السكن..هذه المناطق نرصدها في الملف التالي لعل الحكومة تعي وتتحرك لتمنع مأساة أخري قد تكون أقرب مما نتصور.
إسطبل عنتر: صخرة «العلوايا» شاهد علي الموت
ولاء نبيل
حالة من الرعب والفزع تسيطر علي المئات من قاطني سكان جبل «إسطبل عنتر» عقب وقوع كارثة الدويقة، نظراً لأن طبيعة حياة هؤلاء المواطنين فوق وأسفل الجبل في المنازل والعشش الخشبية لا تختلف كثيراً عن الواقع المأساوي الذي يعيشه أهالي منطقة «الدويقة»، حيث المنازل المقامة بطرق عشوائية وبيارات المياه التي تتسرب منها مياه الصرف وتتخللها الشقوق من جميع النواحي، خاصة صخرة «العلوايا»، التي يبلغ طولها ٣٠ متراً وعرضها ٤٠ متراً، تقع أسفلها وأعلاها عشرات المنازل والعشش وقضبان محطة مترو «الزهراء»، الأمر الذي ينذر بسقوطها في أي وقت، مما دفع بعض الأهالي إلي هجرة منازلهم والعيش مع أقاربهم، في حين اضطر البعض الآخر إلي المبيت لدي جيرانه ممن يقطنون في منازل تقع بعيداً عن حافة الصخرة.
«نعيمة محمد إسماعيل» من سكان المنطقة تقول «مشهد انهيار الصخور فوق منازل أهل الدويقة مش عاوز يروح من عيني، حاسة إني وأسرتي المكونة من ٩ أفراد سنلاقي نفس المصير»، وأشارت إلي أنه بعد وقوع حادث الدويقة مباشرة تفحص شباب المنطقة حالة الصخور المتدلية من أطراف الجبل والمجاورة لمنازلهم، واكتشفوا بها العديد من الشقوق التي لم يروها من قبل، خاصة صخرة «العلوايا»، كبري الصخور المتدلية من الجبل، والتي تشبعت بمياه الصرف الصحي المتسربة من «بيارات» المنازل، الأمر الذي ينذر بسقوطها في أي وقت.
ومن المنازل المقامة فوق صخرة «العلوايا» مباشرة منزل الحاجة «هدي محمد مصطفي»، ٥٣ سنة، والمنزل عبارة عن ٣ طوابق من الطوب الأحمر، وتعلو حوائطه أسقف خشبية، للمنزل مدخل واحد عرضه ٧٥ سنتيمتراً، يتخلله سلم عرضه ٥٠ سنتيمتراً، ويتكون في جميع أدواره من ٧ حجرات، يعيش بها نحو ٣٠ فرداً، لهم جميعاً دورة مياه واحدة، لها بيارة واحدة تقع في منتصف إحدي طرقات المنزل.
حالة من اللامبالاة سيطرت علي حديث الحاجة «هدي» معنا، فمشاهد حادث الدويقة المأساوية التي تابعتها عبر شاشة التليفزيون لم تحرك لديها ساكناً، فهي متأكدة من أنه «لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا»، كما أن ضيق ذات اليد وصعوبة ظروف الحياة التي تسببت في إصابتها بجلطة منذ ٨ أشهر يجعلها تفوض أمرها إلي الله، قالت «هو عمر ولا أكتر، ٤٠ سنة ونحن نعيش في هذا المنزل، ولا يوجد مأوي لنا غيره، فزوجي وجميع أبنائي يعملون في جمع البلاستيك من القمامة، وهي المهنة التي لا يعرفون غيرها، خاصة أنها تتناسب مع الإعاقات البدنية التي ولد أغلبهم بها، فلدي علي سبيل المثال ٣ أبناء صم وبكم وآخر عاجز كلياً منذ يوم ولادتهم، والأطباء فشلوا في إيجاد علاج لهم، ويكفينا أننا نقوم بشراء جركن المياه بـ٧٥ قرشاً».
«أحمد محمد»، ٥٠ سنة، يقول «أسكن في منزلي المكون من طابق واحد أسفل الجبل مباشرة منذ ٢٥ سنة، وبسبب عدم آدمية المكان وافتقاره للخدمات سعيت أكثر من مرة إلي الحصول علي شقة من المحافظة، خاصة أن إمكانياتي المادية لا تسمح لي بالانتقال لسكن غير مدعم، فأنا عاطل منذ ٥ سنوات، وتم تسريحي مع عشرات عمال المدابغ، بعد وقوع أزمتها الأخيرة، ولأنني لا أتقن أي حرفة أخري عجزت عن العمل في أي مجال آخر، رغم أنني أعول أمي المسنة والمريضة بعدة أمراض مزمنة.
ويكشف أشرف حمودة عاملاً جديداً في المكان قائلاً، رغم عشوائية المنطقة والطريقة المقامة بها المنازل والعشش أسفل وأعلي الجبل فإن سعر المتر بها ٥٠٠ جنيه، وإيجار الشقق بين ١٥٠ و٢٠٠ جنيه، فهي أرخص بكثير من المناطق المجاورة، وهو السبب الذي يدفع الأهالي إلي التمسك بمنازلهم رغم الخطر الذي يواجهونه، كما أن قرار توصيل الكهرباء إلي العشوائيات شجعهم علي البقاء، رغم التوصيل الخاطئ لوصلات وكابلات الكهرباء التي تظهر فوق سطح الأرض وأمام بوابات المنازل وأحياناً كثيرة تختلط بمياه الصرف المتسربة من البيارات.
خالد حمودة، رئيس مجلس إدارة جمعية النور بالمنطقة، وصف ظروف السكان قائلاً: «أغلب أهالي المنطقة هنا عمال أرزقية، ومتوسط عدد أفراد أسرهم يتراوح بين ٥ و٧ أفراد، وهم يتكبدون مبالغ مالية باهظة في الحصول علي الخدمات منها شراء جراكن المياه، التي تتراوح أسعارها بين ٥٠ و١٠٠ قرش للجركن سعة ٢٠ لتراً، وتفريغ بيارات الصرف الصحي بتكلفة تصل إلي ١٥٠ جنيهاً للمنزل الواحد، حتي محولات الكهرباء الموصلة للمنازل لم تعد تتحمل الضغط الزائد عليها خاصة مع ارتفاع حرارة الجو، مما يؤدي إلي انقطاع دائم للكهرباء وأحياناً تزداد قوتها فجأة فتؤدي إلي حرق أجهزتهم المنزلية، فجميع تلك التكاليف تجعلهم عاجزين عن ادخار أي مبلغ من المال للانتقال من تلك المنطقة.
فيما أكد الأستاذ الدكتور عادل يحيي، أستاذ الجيولوجيا بكلية العلوم جامعة عين شمس، أن جبل «إسطبل عنتر» يعد امتداداً لجبل المقطم، حيث تتشابه طبيعة الصخور هناك في كونها صخوراً جيرية وطفلية، تكون من أقوي الصخور في الجو الجاف، وأخطر الصخور في الجو الراقد ـ أي في وسط مائي ـ حيث يؤدي تعرضها للمياه إلي الذوبان والتآكل والتكسر ثم السقوط، كما أن الصخور الطفلية عندما تتعرض للمياه فإنها تتضخم، وتسبب نوعاً من الضغط علي جميع الصخور المجاورة لها وعلي المنازل المقامة فوقها.
في حين أوضح حنفي عبدالرحمن، عضو مجلس محلي محافظة القاهرة، أن المجلس أثار فور وقوع كارثة الدويقة أزمة المباني العشوائية المقامة فوق جبل «إسطبل عنتر»، فالوضع هناك أكثر خطورة عن منطقة الدويقة، حيث أقام الأهالي المنازل فوق وأسفل الجبل، كما أن قلة وعيهم وارتفاع معدلات الأمية بينهم وضعف إمكاناتهم المادية تجعلهم غير مدركين حجم الخطر الذي يتعرضون له، أو علي الأقل كيفية التقليل من حدته، وأكد حنفي أن رئيس لجنة الإسكان بالمجلس وعد بتقديم طلب إحاطة عاجل بشأن هذا الخطر.
***
عزبة خيرالله الضحايا يتساقطون منذ سنوات
هشام علام
فوق الجبل اسطبل عنتر.. وأسفله عزبة خير الله، وبينهما تصدعات وصخور معلقة، تحمل بين الحين والآخر منزلا بسكانه وتلقي بهم علي القاطنين أسفله.. كوارث لا نسمع عنها شيئا وضحايا يعتبرهم ذووهم شهداء «الجبل»، يرفعون الصخور بعد تفتيتها ويرممون الأسقف والجدران المتهدمة ويحملون المصابين إما إلي المستشفيات، أو إلي القبور ثم يعودون للسكني في قلب الجبل مرة أخري في انتظار انهيار آخر حيث ينجو من ينجو ويبتلع الجبل من حانت منيته.
الوضع هنا يختلف عن المناطق العشوائية الأخري بشكل كبير فالبيوت ليست مصنفة حسب وجودها أعلي الجبل وأسفله فقط، بل توجد أيضا بيوت في قلب الجبل وبيوت تشكل صخور الجبل ضلعين منها والسقف، وبيوت طمرت معالمها إثر انهيارات متتالية لصخور متوسطة الحجم، وبيوت تصدعت من رشح مياه الصرف الصحي التي تشبعت بها صخور الجبل فيسمع سكان الحي طقطقة من قلب الجبل تهز كيانهم تصفها فتحية الموالي بأنها غضبة الجبل الذي لم يعد قادرا علي تحمل كل هذه المضايقات فصار يسقط قطعة بعد الأخري فوق رؤوس الجميع.
أما سيد ربيع بائع البطاطا شتاء والترمس والليمون صيفا والذي فقد حفيدا له منذ ٣ أعوام إثر انهيار صخري ليلا فخشي أن يتقدم ببلاغ للمحافظة، أو يحرر محضرا حتي لا تطردهم الحكومة من المكان الذي يؤويه وأسرته التي تتكون من ٧ أفراد.. ترقب الموت في كل لحظة تحت الجبل أرحم من الموت المؤكد علي الأرصفة، هذه هي فلسفته التي أقنع بها أسرته بعدما رأوا حادثة الدويقة.
نجاة رزق التي تسكن في حارة أبو شوقي التي شهدت انهيارات كبيرة العام الماضي وراح ضحيتها ١٠ أشخاص تخشي علي أولادها من الثعابين والعقارب التي تسقط من شقوق بالجبل طوال اليوم وتأمل لو ينقلوهم، ولو إلي غرف مستقلة بحمام مشترك في أي مكان، فليس هناك أصعب من أن تنام وتنظر إلي السقف فتري صخرة جبل مفتتة فوق رأسك فتغمض عينيك وتدعو ألا تسقط عليك هذه الليلة، هكذا تقول نجاة لافتة إلي الكوابيس التي تصيب بناتها الصغار بعدما شاهدوا ضحايا الدويقة وهم يخرجونهم من تحت الأنقاض تسكن نجاة في غرفة مساحتها ٢٠ مترا عليها صراع بين أشقاء زوجها، لكن ما يؤلمها أكثر هو مياه الصرف الصحي التي تسقط عليهم من أعلي الجبل وتتسبب في سقوط الصخور عليهم وكلما تحدثوا مع الساكنين أعلي الجبل أخبروهم أن سيارات الكسح لا تستطيع الصعود إلي هناك لنزح خزانات المياه وبالتالي ننتظر جميعا أعلي الجبل وأسفله الموت في أي لحظة ليريحنا من هذا العناء مادامت الدولة لا تذكرنا إلا عند حدوث مصائب كبيرة، هكذا تقول نجاة وكلما دخلنا بيتا قال لنا أحد الجيران تعالوا سأريكم ماهو أسوأ ونري بالفعل ما يعنيه.
البيوت هنا مساحتها لا تتجاوز العشرين مترا لكنها قد تعلو لأكثر من ثلاثة طوابق في كل منها أسرة بها ٦ أفراد علي الأقل لو انهار بيت منها لراح ضحيته ما لا يقل عن ١٥ فردا فماذا عن حي بأكمله يقبع تحت وطأة جبل يتهاوي بفعل بيوت تعلوه حتي الهاوية ومياه صرف صحي تتخلله حتي عجزت صخوره الجافة عن احتوائها.
***
في «بطن البقرة».. بشر يطاردهم كابوس «الانهيار»
سماح عبد العاطي
علي أطراف منطقة مصر القديمة، وبالقرب من مدينة الفسطاط التي اختطها عمرو بن العاص قديما عاصمة لمصر بعد فتحها، تقع منطقة بطن البقرة… مركز الحرف التقليدية وصناعة الفخار في القاهرة، نفس الحرف التي تنفق الحكومة الآن مبالغ كبيرة علي تطويرها، وتحشد الإمكانيات من أجل إزالة ورشها القديمة وإقامة ورش جديدة تليق بالطابع التاريخي للمنطقة، وفي عمليات التطوير لا تلتفت الحكومة لمئات البيوت التي تقع علي حافة القمة الجبلية أعلي المنطقة، تلك المنازل التي يعيش أصحابها في رعب خوفاً من انهيار الجبل في أي لحظة علي رؤوسهم الأمر الذي يعني فقدان حياتهم تحت أطنان من الحجارة والركام.
شوارع ضيقة للغاية وممرات لا تتسع لأكثر من شخص واحد وسلالم عشوائية تربط بين ما يمكن أن يطلق عليه مجازاً مجموعة البيوت في حارة النور بمنطقة السحيلة التابعة لـبطن البقرة… علي باب أحد المنازل وقفت بخيتة عبد الحفيظ تملأ وعاء بالمياه النقية المتدفقة من إحدي الحنفيات قالت: أعيش هنا منذ ٢٥ سنة، جئت طفلة بصحبة والدي وأقمنا منزلنا، في البداية لم يكن بالمنطقة صرف صحي والأهالي يستخدمون الترانشات، وبمرور الوقت أقام الأهالي شبكة صرف صحي ذاتية، تلتقط عزة عيد طرف الحديث وتقول إن شبكة الصرف ليست علي المستوي المطلوب، فيتكرر انسدادها كل أيام يأتي بعدها السباك ليجمع خمسة جنيهات من كل منزل لتسليكها، عزة تقول إن المياه التي قام الأهالي أيضاً بتوصيلها بجهودهم الذاتية دائمة الانقطاع وإن كانت نظيفة إلي حد كبير.
لا يشعر أهالي حارة النور بأي مشكلة، فموقع منازلهم فوق الجبل علي ما يبدو يشعرهم بالتميز، ليس فقط لكونهم يشرفون علي القاهرة بمبانيها الفخمة المرتفعة، ولكن لأنهم يسكنون بالقرب من وسط البلد وبالقرب أيضاً من الفواخير التي يعمل عدد كبير منهم بها، كما أن كل البيوت التي يقيمون بها حصلوا عليها بنظام الحكر أو وضع اليد دون أن يدفعوا مقابلها مليماً واحداً، علي أن الفرحة لم تتم، فقمة الجبل التي يسكنون عليها دائمة الانهيار…
إحدي السيدات اصطحبتنا إلي الأسفل لتعرض لنا جزءاً من الجبل متشقق بالكامل قالت إن السبب في تشققه قيام الحكومة بتسوية الأرض حوله لإقامة ورش جديدة لصناع الفخار، وتابعت قائلة إن الأهالي كانوا يشعرون باهتزازات رهيبة للجبل أثناء عمل الكسار، ثم شاهدوا بعيونهم شروخاً كثيرة أصابت عدة منازل في المنطقة بعد انتهاء العمل.
أما عيد علي عامر فلا يخفي خوفه من الإقامة علي الجبل خاصة بعد حادث الدويقة الأخير، غير أنه يتساءل إلي أين سيذهب، وهل من الممكن أن تنقذه الحكومة وخمسة أبناء هم كل عائلته من مصير الدفن تحت أنقاض الجبل؟، عيد يؤكد أنه لم يسبق أن قامت الحكومة بعمل حصر للمنازل أو أبدت أي نية في تطوير المنطقة.
***
زرزارة» و«الزرائب» تعيشان في حضن الجبل مع «الخنازير»
دارين فرغلي
لم يعد الخوف يفارق أذهانهم، وأثقل القلق جفونهم فهم ينتظرون الموت بين لحظة وأخري، فمنذ أن سمعوا بمأساة الدويقة التي راح ضحيتها العشرات وما زالت قوات الإنقاذ تستخرج جثثاً جديدة كل يوم، حتي أصيب سكان منطقة الزرائب وزرزارة في منشأة ناصر بحالة من الخوف والقلق، تلك الحالة لم يكن السبب الوحيد فيها قربهم من المنطقة التي وقعت فيها الحادثة، ولكن ما يزيد من قلقهم وخوفهم هو أن بيوتهم هي الأخري تقع بين أحضان جبل يثور أحيانا، ورغم أنه يعود ليهدأ من جديد إلا أن لسان حالهم يقول هل كان أهالي الدويقة السابقين وسنكون نحن اللاحقين؟ وهل سنموت تحت هذه الأحجار كما عشنا فوقها ؟ وهل سينتهي بنا الحال بالتحول إلي أشلاء تبحث كلاب الشرطة عنها تحت الأنقاض.
الرائحة الكريهة التي تستنشقها عند وصولك لمدخل منطقة الزرائب ليست السبب الوحيد في صعوبة الوصول إليها، ولكن اعتراض السكان هناك لأي شخص غريب جعل منها منطقة محظورة إلا علي سكانها فقط خوفا علي تجارتهم التي تعتمد علي الكارتون ومقالب القمامة، الأهالي هناك يعيشون وسط زرائب تختلط فيها الخنازير بالأغنام وتتجول حولهم بعض الكلاب والقطط ولا يغني هذا بعض الأطفال المتجولين بين هذه الحيوانات غير مكترثين بأسراب الذباب التي تحيط بهم، فمعظم الغرف هناك بلا دورات مياه مما يضطر هؤلاء الأطفال إلي قضاء حاجتهم في أي ركن من أركان الزريبة.
قسوة الحياة في منطقة تملأها أكوام القمامة وتتجول فيها الخنازير والكلاب الضالة ليست هي كل ما يؤرق الأهالي هناك، فبيوتهم تحتضن صخوراً جبلية تتساقط عليهم بين الحين والآخر، حتي إن عطيات فؤاد علي «إحدي الساكنات» كثيرا ما توقظها أصوات تساقط الصخور علي سقف غرفتها الخشبية، فما يكون منها إلا أن تبدأ في إيقاظ أبنائها الثمانية وتحتضنهم مبتعدة عن تلك الغرفة حتي يهدأ الجبل من ثورته فتعود إلي غرفتها مرة أخري.
كان محمد سعيد يجمع القمامة عندما فوجئ بتساقط الصخور في نفس اليوم الذي انهارت فيه الصخور علي الدويقة، فترك ما بيده وهرول إلي غرفته ليطمأن علي زوجته وأبنائه الثلاثة، ولم يهدأ قلبه عن الخفقان إلا عندما اطمأن علي سلامتهم وبدأ في إبعاد الحجارة عن سقف غرفته حتي يعود أبناؤه للسكن فيها، فإيجارها ٥٠ جنيها شهريا يرغمه علي أن يتمسك بها رغم دموع أبنائه التي تنهمر كلما استيقظوا مفزوعين علي أصوات تساقط الصخور.
عشرات الأمتار تفصل بين الزرائب ومنطقة زرزارة التي يتطلب الوصول إليها التسلق علي صخور جبلية كادت أن تتحول إلي مجري لمياه الصرف الصحي، فالأهالي هناك اعتادوا علي تساقط الصخور علي أسقف غرفهم الخشبية، حتي إن بدر حسين «أحد السكان» اضطر أن يقوم بتخزين بعض الألواح الخشبية في منزله تحسبا لتساقط الصخور عليه ليلا.
أصاب قرار الحكومة بناء ٣ مدارس أهالي المنطقة بفرحة شديدة، فهم يحلمون بأن يستكمل أبناؤهم تعليمهم لعل حالهم يكون أفضل من حال آبائهم، ولكن الفرحة تحولت إلي صدمة شديدة عندما علموا أن مباني المدارس ستلاصق الصخور الجبلية التي تخيف أبناءهم، وأن تفزعهم من نومهم كلما تساقطت فوق غرفهم، واعترضوا في بادئ الأمر ولكن لم يكترث أحد لشكاواهم، فرضوا بالواقع، ولكن يبدو أن مخاوفهم كانت في محلها، وغرقت المدارس في مياه الصرف التي تتساقط من أعلي الجبل. يروي محمد عزب «موظف بجامعة الأزهر» قصة المدارس الثلاث قائلا: تم بناء تلك المدارس التي حملت أسماء سعد زغلول وجمال عبد الناصر في عام ١٩٩٠ ولم تستكمل الدراسة بها بسبب غرقها في مياه الصرف، واضطرت الحكومة إلي إغلاقها، فتحولت إلي مبان مهجورة تسكنها القطط والكلاب الضالة.
باب خشبي متهالك هو المدخل الرئيسي لثلاثين غرفة تقع أسفل الجبل بشارع نغم في منطقة زرزارة، مساحة تلك الغرف الخشبية لا تزيد علي ٢٠ مترا، لذا قام الأهلي ببناء دورتين للمياه تخدمهم جميعا، سكان الشارع يهرولون جميعا خارج المنطقة كلما بدأ الجبل في الاهتزاز ولكن بعضهم يلجأ إلي الاحتماء بغرفته الخشبية خوفا من أن يصيبه تدافع جيرانه بأذي، وهذا ما اعتادت عليه سنية محمد، خاصة أن أعوامها الستين وقدميها التي قلما تساعدها علي النهوض تمنعها من اللحاق بجيرانها للاحتماء من صخور الجبل، فما يكون منها حينها إلا أن تردد الشهادة وتدعو الله أن ينجيها، حتى لا تتحول إلي جثة تبحث الكلاب البوليسية عن أشلائها، أو اسم في كشوف ضحايا جبل احتضنهم وهم أحياء وتمسك بهم فاحتضنهم موتي.
***
أفقر قرى مصر«البليدة».. موطن للفقراء والثعابين والعقارب وعمالة الأطفال وبطالة الشباب
دارين فرغلي وهالة عبدالرحمن
قري تعيش في ظروف بدائية، لا تمت بصلة إلي العالم الذي يحيط بها، فهنا لا تتعلق المشكلة بأشياء مكملة في الحياة، بل بالحياة نفسها، فأهلها يعيشون عالمهم الخالي من أي خدمات مع قسوة الفقر والحاجة، فتستمر الثنائية تطحنهم في ظل غياب حكومة، لا يهمها سوي أن تبيع أوهام محاربة الفقر في مشاهد مسرحية مماثلة لما حدث في زيارة نجل الرئيس «جمال مبارك» لقرية «ننا» بالفيوم.
بشر غارقون في دوامة توفير أبسط متطلبات الحياة لا يشعرون سوي بأنات الجوع واليأس وغياب الأمل، ولا يهمهم سوي أن يناموا ملأي البطون – رغم الشك في ذلك – بعد أن كتب عليهم القدر أن يعيشوا في وطن تسوسه حكومة لا تعترف سوي بالأغنياء. قري تمنحك فضيلة الشكر علي الحال والنعمة، اعتبرها البنك الدولي أكثر القري المصرية فقرًا.
ربما لم يعلم سكان «البليدة» أنها احتلت ترتيب أفقر خامس قرية في مصر طبقاً لتقرير البنك الدولي، فحالهم لا يحتاج إلي تقرير ليرصده، ويكفي الواحد منهم أن ينظر إلي الترعة التي امتلأت عن آخرها بالصرف الصحي واتخذ منها أطفال القرية ملاذاً من حرارة الجو، وقصدتها النساء يحملن صحوناً لغسلها في مياهها.
ولن يفوتك مشهد الأهالي الذين يتبارون للوصول إلي عربات المياه القادمة إليهم من الجيزة، بعد أن جفت صنابير منازلهم، أو مشهد أطفالها صباحاً وهم يحملون أشياءهم للعمل في مصانع الطوب المجاورة للقرية ليساعدوا أسرهم في تدبير نفقات المعيشة.
«البليدة».. هي إحدي قري مركز العياط بالجيزة، ما إن يصل بك الميكروباص إلي مدخل القرية حتي تعبر جسراً تمر تحته ترعة امتلأت عن آخرها بالصرف الصحي، لم يمنع هذا المشهد بعض أطفال القرية من أن يتباروا في القفز من فوق الجسر إلي الترعة بعد أن يتجردوا من كل ملابسهم، ليعلنوا عن بدء مسابقة جماعية في السباحة، وبمجرد أن تعبر الجسر تكون قد وضعت قدميك علي أول شبر من أراضي القرية.
أول ما تقع عليه عيناك هو مجموعة من الأطفال يلتفون حول جزار القرية الذي علق قطعة كبيرة من اللحم علي ثلاثة ألواح خشبية مائلة ووضع أمامه ميزاناً فوق طاولة خشبية متهالكة، لا يكترث السكان هناك لأسراب الذباب التي تلتف حول قطعة اللحم، كما لا يهمهم أن تخلو تلك القطعة من الختم الذي يؤكد سلامتها، ولكن الأهم عندهم هو سعر الكيلو، فقد وقفت سيدةتطلب من الجزار أن يخفض سعر ربع كيلو قالت إنها ستطهوه لزوجها وأبنائها الأربعة.
خطوات قليلة سرناها ووجدنا منزلاً صغيراً يخلو من الأثاث، تجلس أمام بابه مجموعة أطفال يلتفون حول رجل يردد آيات من القرآن الكريم ويطلب منهم أن يرددوها خلفه.
سيد عبدالهادي – موظف في الأوقاف مقيم بالقرية- قال إنه اعتاد أن يأتي يومياً إلي دوار العمدة ليجلس مع أطفال القرية ليحفظهم القرآن، مشيراً إلي أن أكثرهم لا يذهب إلي المدرسة لعدم قدرة أهاليهم علي تحمل نفقاتهم.
اقتربت سيارة مكتوب عليها «الجمعية الشرعية للبليدة» من باب الدوار الذي أكد لنا بعض الأهالي أنه خال بعد وفاة العمدة، واحتشد عشرات الأطفال حولها ليحصلوا علي وجبات من بعض الأرز واللحم، علمنا من سائق السيارة أنه يوزعها على ٢٠٠ طفل يتيم بالقرية، وأهل خير يتبرعون بها بين الحين والآخر.
وفي الوقت الذي تمثل الترعة الممتدة بطول القرية، مصدر سعادة لأطفالها حيث يسبحون ويلعبون، يعتبرها أهالي القرية من أكبر المشاكل التي تواجههم، يقول نادي رشاد – أحد السكان وبائع أنابيب: الترعة مأوي للثعابين والعقارب والفئران، وقد تعرض أطفال للدغ من الثعابين ولولا أنقذهم شباب القرية لماتوا بسببها.
شيماء كانت إحدي الفتيات اللاتي يجلسن أمام الترعة لغسل الصحون، وعلي الرغم من أنها قالت إنها تخاف من أن يخرج عليها عقرب أو ثعبان فإنها اعتبرتها الحل الوحيد لمواجهة انقطاع المياه بصفة مستمرة في القرية، تقول شيماء: تنقطع المياه عن القرية لمدة ثلاثة أو أربعة أيام أسبوعياً لذا أضطر لغسل الصحون في الترعة كل يوم، خاصة أن والدتي عجوز لا تستطيع حمل الصحون، وهذا ما دفعني للخروج من التعليم حتي أستطيع مساعدتها في شؤون المنزل.
أمام أحد المحال وقف عدد من الشباب يتسامرون، وما إن رأوا أحد الأطفال يقترب من محول الكهرباء الذي يتوسط البيوت حتي هرولوا نحوه جميعاً، وعنفوه حتي لا يقترب منه مجدداً، يقول محمد سعيد – ٢٢ عاماً – قدمنا شكاوي عديدة لنقل هذا المحول الذي يطلق شرارات تسببت إحداها في اشتعال الغسيل في منازل مجاورة، وفي كل مرة نضطر للاتصال بإدارة الكهرباء حتي تفصل الكهرباء عنه، قاطعه سعيد قائلاً: «أرواح الناس مش مهمة عندهم ده إحنا هنا بنموت بسبب البطالة ومفيش حد بيسأل فينا»، ويبدو أن تلك الجملة أثارت شجون البعض فأخذوا يرددون كلمات محملة بالغضب والحسرة معاً، بعضهم قال «إحنا نصنا بيشتغل في مصانع الطوب والباقي في هيئة النظافة»، والبعض الآخر يتمتم «ده كله ويقولولنا بلاش الهجرة غير الشرعية».
ومن بين تلك الأصوات العالية كان صوت يحاول أن يعلو فوق أصوات الشباب لعلنا ننتبه إليه، ونجح إبراهيم الأشعث ذو السبع سنوات في جذب الإنتباه إليه بجملة «وأنا كمان باشتغل من زمان»، واستكمل «أبويا قالي انت مش هتنفع في التعليم وأخدني معاه مصنع الطوب وبكسب فلوس كتير».
علمنا بعدها أن حال إبراهيم لا يختلف كثيراً عن العشرات من أطفال القرية الذين يعملون في مصانع الطوب المجاورة للقرية، لمساعدة أهاليهم في تدبير نفقات المعيشة، أقرب المصانع إلي القرية يبعد عنها أكثر من كيلو متر ولا توجد أي وسيلة مواصلات للوصول إليه لذا يضطر الشباب والأطفال الذين يعملون في تلك المصانع إلي الذهاب سيراً علي الأقدام.
وقال صاحب مصنع إن ٥٠ شاباً و٢٠ طفلاً من «البليدة» يعملون لديه، معظمهم لم يكمل تعليمه بسبب ظروفهم المادية.
كان إسلام عيد – ١٣ سنة – يتصبب عرقاً وهو يقف فوق ماكينة ليحمل القوالب ويعطيها لآخر ينقلها بدوره إلي أحد المخازن، إسلام قال إنه لم يذهب إلي المدرسة وأنه يشعر بسعادة شديدة عندما يحصل علي ٦٠ جنيهاً أسبوعياً، لأنه يعود إلي والدته ومعه بعض الطعام لإخوته فهو المسؤول عنهم بعد وفاة والده.
انتهي وقت الوردية وعاد الشباب والأطفال إلي منازلهم وبمجرد أن وطأت أقدامهم مدخل القرية، هرول الأطفال إلي ذلك الجسر الذي تمر تحته ترعة امتلأت عن آخرها بالصرف الصحي وقفزوا إليها، وعلمنا حينها أن مجموعة الأطفال التي رأيناهم فور وصولنا كانوا من أطفال الوردية الأولي، وأن هذا الإجراء اعتاد عليه الأطفال بعد عودتهم من عملهم، لعله ينسيهم تعب اليوم ويزيل عنهم غبار المصنع الذي كاد يخفي ملامحهم.
المصري
الجمعة 12-9-2008
.
اسطبل عنتر.
بطن البقرة.
زرزارة لا تبعد كثيراً عن عزبة بخي
Advertisements