حسين عبد الرازق في مؤتمر يسارى بجنوب إفريقيا

الرأسمالية تفرض سياسة واحدة هي ديكتاتورية السوق

شريحة اجتماعية متميزة في مصر تنهب الأموال والثروات

حسين عبد الرازق

مؤتمر يساري في جنوب إفريقيا
يغادر القاهرة اليوم حسين عبدالرازق عضو مجلس رئاسة حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي للمشاركة في «المؤتمر الدولي حول ديمقراطية المشاركة» الذي يعقد في «سويتو – جوهانسبرج – جنوب أفريقيا» في الفترة من 14 إلي 16 أغسطس الحالي، وهي الدورة الثالثة لهذا المؤتمر الذي عقد لأول مرة في ستوكهولم بالسويد عام 2004 ثم في كراكاس بفنزويلا عام 2005، ويشرف علي تنظيم المؤتمر في جنوب أفريقيا كل من «المنبر اليساري الدولي Left International Foram» و«حزب اليسار السويدي Vansterpartiet» والحزب الشيوعي السوداني. وسيناقش المؤتمر مجموعة من الأوراق البحثية أعدتها القيادات السياسية والحزبية المشاركة من جنوب أفريقيا والسويد والمنبر اليساري الدولي ومصر والمغرب والجزائر وموريتانيا والسودان وموزمبيق وكينيا وأوغندا والكاميرون ونيجيريا وسوازيلاند وليسوتو وبتسوانا وزيمبابوي والسنغال، والهند، والبرازيل وفنزويلا وكوبا. ويشارك حسين عبدالرازق بورقة بحثية حول «محاربة الاستعمار الجديد ومقاومة الهيكلة والنضال من أجل إعادة الملكية العامة في التجربة المصرية»والتي تنشرها الأهالي علي هذه الصفحة.
نجحت الرأسمالية العالمية مع نهاية الألفية الثانية وبداية الألفية الثالثة في هيكلة وقولبة العالم داخل نمط الإنتاج الرأسمالي ، واتجهت إلي مزيد من تعميق هذا النمط وتجذيره وتحقيق سيادته وسيطرته عالمياً 00 اقتصاديا وسياسيا وثقافيا ، وهو ما يعرف باسم ” العولمة ” .
ولجأت الرأسمالية الاستعمارية في صورتها الجديدة لفرض سياسة واحدة علي مستوي العالم تقوم علي ” دكتاتورية السوق ” بمقولة كلما إزدادت حرية الاقتصاد والقطاع الخاص في الاستثمار والتوظيف كلما إزداد النمو والرفاهية للجميع ، وطرحت ثلاثة شعارات أساسية علي مستوي الدول هي :
ـ وقف تدخل الدولة .
ـ التحرير .
ـ الخصخصة .
وعلي مستوي الشركات :
ـ الترشيد وخفض الأجور عن طريق التصغير .
ـ النقل للخارج .
ـ إعادة التنظيم وإعادة الهندسة .
واستكملت هذه ” العولمة ” الرأسمالية هجومها لإخضاع العالم كله ـ المنقسم اجتماعياً وقومياً وطبقياَ ـ لرؤية فكرية واحدة وتبعية ثقافية من خلال استغلال كامل لمنجزات ثورة الاتصالات والمعلومات ، وذلك من خلال مئات الأقمار الصناعية ” التي تغذي أحلام وأشواق الناس في كل القارات ، وتبث للبشرية كلها المعني نفسه للحداثة والعولمة ” ، ويتلقي سكان كوكب الأرض عبر أكثر من مليار ( 1000 مليون ) جهاز تليفزيون حلماً مشتركا واحداً ، حلم مشترك لأكثر من 6 مليارات إنسان . وتسيطر دولة واحدة هي الولايات المتحدة الأمريكية علي 65% من المادة الإعلامية العالمية .
وبالنسية لمصر فقد فرضت المؤسسات المالية الدولية وبصفة خاصة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية ، وكذلك هيئة المعونة الأمريكية ، روشتة لتطبيق سياسة الرأسمالية العالمية .
انقلاب مايو
وبدأ هذا التحول في مصر عقب الإنقلاب السياسي الذي شهدته مصر بداية عام 1971 . فعقب رحيل جمل عبد الناصر المفاجئ في 28 سبتمبر 1970 وتولي نائبه أنور السادات رئاسة الدولة ورئاسة الحزب الواحد الحاكم ، اعتمد الرئيس الجديد علي تحالف بين تيارين في السلطة 00 التيار الأول تيار ” الطبقة الجديدة ” التي تكونت أساساً خلال نظام ثورة 23 يوليو 1952 من الفنيين والبيروقراطيين والعسكريين وأقاربهم وأصهارهم ، الذين استفادوا من تصفية الطبقات الإقطاعية والرأسمالية الكبيرة ، وأحتلوا مواقع متقدمة في قمة السلم الاجتماعي والاقتصادي ، وكونوا ثروات واسعة دون مقابل حقيقي من جهد أو عمل ، وأصبحوا في النهاية شريحة اجتماعية متميزة تهتم بتكريس الأموال والثروات . التيار الثاني ويعبر عن تحالف كبار المقاولين وتجار الجملة والعاملين في الاستيراد والتصدير والتهريب والمناطق الحرة وكبار المسئولين الفاسدين من أصحاب العمولات الضخمة ، والبورجوازية الريفية من أصحاب الملكيات الزراعية الكبيرة والمتوسطة . وعادي هذا التيار في استماته أي اتجاه للتقدم الاجتماعي ، ورفض الفكر الاشتراكي تحت اي إسم كان باعتباره طريقا إلي الشيوعية ، وآدان عبد الناصر وسنوات حكمه من زاوية الارتباط باليسار والاشتراكية والاتحاد السوفيتي ، ورفع راية التعصب الديني الإسلامي في مواجهة كل التيارات الوطنية والاجتماعية التقدمية .
وبعد حملة سياسية وإعلامية من الدولة وحزبها وإعلامها بقيادة الرئيس أنور السادات ضد ” اشتراكية الفقر ” والإمبريالية السوفيتية والتخلي عن الدين ، أقدم النظام مستفيداً من شعبية السادات بعد حرب أكتوبر 1973 وتحرير جزء من سيناء من الاحتلال الإسرائيلي ، علي إصدار 124 قانونا عام 1974 تحت شعار ” الانفتاح ” فتحت الباب واسعاً ، أمام الارتداد بالواقع المصري إلي حدود المجتمع الرأسمالي الاقطاعي السابق والتراجع عنه ، وبدأ الحديث بقوة عن ضرورة إطلاق حرية القطاع الخاص في النمو وتجميد القطاع العام وتصفيتة ، وانسحاب الدولة تماما من الاستثمار وتخليها عن دورها في قيادة التنمية وتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين ، وتشجيع رأس المال العربي والأجنبي علي الاستثمار في مصر دون قيود أو حدود أو ضوابط ، وتصفية كل الأشكال الجماعية المتعلقة بالأرض سواء في التسويق أو الاستزراع ، وتحويل الإصلاح الزراعي إلي مجرد تخفيض لسقف الملكيات الكبيرة .
التحول الحقيقي
ولكن التحول الحقيقي الشامل بدأ في تسعينتات القرن الماضي في ظل نظام حكم الرئيس حسني مبارك ، والقبول التام لروشتة المؤسسات المالية الدولية وهيئة المعونة الأمريكية
فمع إنطلاق المفاوضات مع صندوق النقد الدولي لجدولة ديون مصر ، تقدمت الحكومة المصرية في 9 ابريل 1991 بما عرف بخطاب النوايا والمعنون ” مذكرة حول السياسة الاقتصادية للحكومة المصرية ” ، تم علي أساسها توقيع أول اتفاق بين الحكومة المصرية وصندوق النقد الدولي في مايو 1991 لتنفيذ روشتة الصندوق وعلي رأسها بيع وتصفية القطاع العام .
وتأكيد هذا التعهد في خطاب النوايا المقدم للصندوق في يوليو 1993 والذي وقع علي أساسه الاتفاق بين الحكومة وصندوق النقد الدولي في سبتمبر 1993 .
وتوالت التعهدات والاتفاقات وعمليات البيع والخصخصة ، التي شملت عددا من الشركات الصناعية الكبري مثل شركة ” المراجل البخارية ” وأنصبة القطاع العام في البنوك المشتركة وشركات التجارة الداخلية الكبري ، وأصول صناعة السينما المصرية التي كانت تحتل المركز الثاني بعد صناعة النسيج قبل النهضة الصناعية في ظل ثورة 23 يوليو . وشاب عملية البيع حالة من عدم الشفافية والخلل في التقييم الذي قامت به بيوت خبرة أجنبية أمريكية في الأساس . وفي الفترة الأخيرة وصول قطار الخصخصة إلي قطاع البنوك وشركات التأمين ومحاولة خصخصة التأمين الصحي .
ومنذ البداية قاومت الأحزاب والقوي السياسية اليسارية والوطنية وبعض النقابات العمالية التي تواجد اليسار بها وقيادات نقابية منحازة لمصالح الطبقة العاملة سياسة الخصخصة وبيع وتصفية القطاع العام . ودافع حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدودي أول حزب يساري يكتسب الاعتراف القانوني في مصر عام 1976 ، دافع بقوة عن القطاع العام وعارض البيع والتصفية وقدم برنامجاً لإصلاحة ومعالجة الاخطاء والعيوب ، ووقفت معه نقابات بعض الشركات الصناعية الكبري التي تواجد اليسار الاشتراكي والشيوعي في مجالس إدارتها مثل الحديد والصلب ومصر حلوان للغزل والنسيج والنصر للسيارات ، وكذلك عدد من الاقتصاديين الجادين حتي من غير المنتمين لليسار .
التفريط صعب
يقول د. حازم الببلاوي استاذ الاقتصاد ورئيس مجلس إدارة البنك المصري لتنمية الصادرات الأسبق 00 ” إنني من أنصار اقتصاد السوق ، وقد كنت ولم أزل من أشد المدافعين عن هذا القطاع الاقتصادي 00 فمنذ ما يقرب من ثلاثة عقود وأنا ادعو إلي اقتصاد السوق في مختلف المنابر ” ثم يضيف ” ليس صحيحاً دائما ان الإدارة الخاصة أفضل دائماً من الإدارة العامة ، وهناك أمثلة كثيرة علي ذلك ، فقد عمدت انجلترا مثلا إلي خصخصة السكك الحديدية ، وكانت النتيجة تراجع كفاءة الخدمة . هذا في الوقت الذي مازالت السكك الحديدية الفرنسية تدار من قبل القطاع العام ، وتتميز إدارتها في فرنسا ليس فقط بارتفاع معدلات أدائها بل أنها تعتبر نموذجاً للكفاءة الاقتصادية علي المستوي الأوروبي . وإلي جانب ما تقدم فإنه من المتفق عليه أنه حين يتعلق الأمر بالسلع والخدمات العامة فمازال للدولة الدور الأكبر . وتري بعض الدول أن هناك مجالات استراتيجية وحساسة يطلق عليها أحيانا المرتفعات الحاكمة COMMANDING HIGHTS التي يصعب التفريط فيها وتركها كلية للقطاع الخاص ، أو التخلي عنها لغير المواطنين ” .
لقد شهد عام 2006 أكثر من 43 اعتصاماً عمالياً و32 إضرابا عن العمل و14 تظاهرة سلمية . كما شهد النصف الثاني من عام 2005 أكثر من 93 إحتجاجاً عمالياً منها 40 تجمهراً و22 إضرابا عن العمل و20 اعتصاماً و11 مظاهرة ، وشهد النصف الأول من عام 2007 ( العام الماضي ) 386 احتجاجاً توزعت ما بين 100 اعتصام و109 إضرابات عن العمل و33 مظاهرة و126 تجمهراً .
صحيح أن هذه الاحتجاجات لم ترفع كلها شعارات ضد الخصخصة وبيع القطاع العام ، ولكنها جميعا تعاملت مع نتائج هذه السياسات ، مثل تدني الأجور والمرتبات وعدم صرف الأرباح والحوافز ، والعمالة المؤقتة والمطالبة بتثبيتها ، وسوء وتعسف أصحاب العمل في إجراءات النقل والفصل التعسفي والحرمان من الترقيات ، والتمييز بين العمال والإداريين ، وتصفية الشركات أو إغلاقها ، وعدم تسوية الحالات التأمينية ، وشطب العمال من هيئة التأمينات ، ورفض الإدارة تشكيل لجان نقابية للعاملين ، ونقل المصانع لأماكن غير مكتملة المرافق ، وتحويل العمالة الدائمة إلي مؤقته 00 الخ .
وعارض سياسة الخصخصة عامة حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدودي والحزب العربي الديمقراطي الناصري والحزب الشيوعي المصري واليسار المصري بصفة عامة .
وبالنسبة لبيع البنوك خاصة عارضت أحزاب اليسار بيع بنوك القطاع العام ، بينما عارض حزب الوفد الليبرالي بيع بنك القاهرة لمستثمر أجنبي وطالب بطرحه للاكتتاب العام للمصريين.
التأمين الصحي
وعندما كشفت الحكومة عن نيتها خصخصة التأمين الصحي ، عارضت أحزاب التجمع والوفد والناصري والشيوعي هذه الخصخصة ، وتكونت جبهة عريضة امتدت من عدد كبير من الأطباء المؤمنين بالرسالة الإنسانية لمهنة الطب ، وبرز منهم بصفة خاصة ” د . عبد المنعم عبيد ” عضو لجنة الصحة بالمجالس القومية المتخصصة ” و ” د. محمد حسن خليل ” استشاري القلب ورئيس قسم بمستشفي مدينة نصر للتأمين الصحي و” د. حسن عبد الفتاح ” رئيس هيئة التأمين الصحي السابق ، و” د. حمزة البسيوني ” أحد أبرز أطباء الاسكندرية المدافعين عن التأمين الصحي ، مروراً بالطبقة العاملة التي طالبت بوقف قرار رئيس الوزراء وعرض مشروع قانون التأمين الصحي الجديد الذي أعدته الحكومة علي النقابات العمالية ، وذلك في مؤتمر عقد يومي 2 ، 3 يونيه 2007 بالجامعة العمالية وشارك فيه ممثلو النقابات العامة للمصانع الحربية والخدمات الإدارية والخدمات الصحية والكيماويات والاتصالات والبناء والأخشاب والنقل البحري والنقل البري والمرافق العامة والبنوك وعمال الزراعة وعمل التجارة والمحاجر والسياحة والفنادق والغزل والنسيج .
وخاضت صحف الأهالي والوفد والمصري اليوم والدستور وصوت الأمة معركة دفاعا عن التأمين الصحي الذي يستفيد منه حالياً 36 مليونا و929 ألف منتفع .
ومازالت معركة الدفاع عن القطاع العام ووقف الخصخصة مستمرة حتي اليوم .
Advertisements