الاحوال في مدينة العمال ووقائع أول اضراب في تاريخ العمل المأجور

وصف الاحوال في مدينة العمال ووقائع أول اضراب في تاريخ العمل المأجور

نقلا عن مدونة المجتمع المصرى

من نص مصري قديم كٌتب في العصر الإنتقالي الأول من عام 2154 إلى 2040 ق.م تقريباً كتب من قبل أحد كبار الموظفين يدعى ” خيتي بن دواوف” لأبنه “بيبي ” الذي يعد نفسه لمهنة الكاتب وفيها ينصحه بأهمية مهنة الكاتب (الميري) بالمقارنة بمهن العمل اليدوي: فعامل المسابك يخشن جلده وتلازمه رائحة نتنه، وعامل البناء يتقوس ظهرة من العمل الشاق وصانع الطوب من طين النيل يحي حياة متسخة كحياة الخنازير وعامل النسيج حبيس عالمه المظلم
والإسكافي لا يجد ما يمضغ سوى الجلد … إلخ
النص وإن قصد منه تحفيز الأبن للدراسة حتى يهنأ بحياة عملية رفيعة لكنه يعكس وجهة نظر شرائح المجتمع العليا الرافضة للعمل اليدوي وتحقيرهم له! لكن ورغم ذلك تمتع العمال بهامش أكبر مما تتمتع به الفلاحون، كيف؟


كان يجلس على قمة الهرم الاجتماعي في مصر القديمة الملك ابن إله الشمس رع الجالس على عرش حورس وكان جسد الهرم عبارة عن شبكة معقدة من الموظفين والكهنة والكتبة تمثل العمود الفقري لجهاز الدولةوفي قاعدة الهرم مئات من المشتركات القروية، وهي وحدات مؤسسة على الاكتفاء الذاتي بالجمع بين فلاحة الأرض والرعي والصيد والعمل الحرفي اليدوي، ذات مسحة خفيفة من التمايز الاجتماعي
كانت هذه المشتركات القروية الأساس الاقتصادي لنمط الإنتاج السائد في مصر القديمة فمن هذه الوحدات الإنتاجية تحصل الدولة على الفائض من الإنتاج في صورة ضريبة سنوية تستنزف بشكل كامل في سد نفقات الدولة من البلاط إلى تجمعات العمال في المقابر الملكية مروراً بجنود الجيش والجهاز البيروقراطي الضخم وكهنة المعابد

وقد تم قولبة وهيكلة جميع أجهزة الدولة مثل الجيش والشرطة وطوائف العمال والمعابد والجهاز البيروقراطي وفقا لهذا النموذج وتقوم الدولة المركزية ” المشترك الأعلى ” بمهمة التنسيق بين كل هذه المشتركات وحمايتها وتنظيم الري وتنظيم توزيع الفائض
تمتع أفراد المشتركات القروية بهامش معقول من الحريات الشخصية الدينية والاجتماعية والملكية الخاصة، لكن المشتركات نفسها كانت في حالة تبعية مطلقة للمشترك الأعلى أي الدولة (العبودية المعممة) والتي تمثلت إلى جانب دفع الضريبة في مد الدولة المركزية بالجنود وبالعمالة اللازمة لمشروعات الري والعمل في المناجم وبناء المعابد والمقابر

برغم مكانة المشترك في قاع قاعدة الهرم الطبقي في مصر فقد كانت بالنسبة للفلاح هيكلاً اقتصادياً يوفر له الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية إلى جانب الحماية ورغم ذلك كان التطلع يتزايد للخروج من المشترك والالتحاق بالخدمة في المشتركات النوعية الأعلى في السلم الاجتماعي مثل الجيش والبوليس أو الجهاز الحكومي أو المؤسسات الكهنوتية أو على أقل تقدير الانضمام للتجمعات العمالية ” الميري” والتي كانت الدولة تتكفل بسكناهم وأعاشتهم وبقدر من التدليل بالقياس للأحوال المعيشية الخشنة في المشتركات القروية

هذا الوضع الخاص للتجمعات العمالية فرضته عوامل عدة أهمها عزلتها في الصحراء بجوار مكان العمل و بعدها عن باقي المشتركات إلى جانب ضمان انتظام سير العمل من خلال تنظيم ورقابة مباشرين، وسبب هام آخر تمثل في قدسية العمل ذاته فهم يتولون بناء معابد الآلهة ومعابد الملوك الجنائزية ومقابرهم وكانت تخضع وبشكل مباشر لرعاية البلاط الملكي
توزع العمال بشكل عام على أربع مجموعات
الأولى وهي التي تشارك الفلاحين الحياة في المشترك القروي ولم تختلف كثيرا مفردات حياتهم المعيشية عما هو سائد في المشترك
والمجموعة الثانية: وهي مجموعات العمال التابعة مباشرة لدوائر الحكم سواء البلاط الملكي أو أمراء الأقاليم، أو العمال الذين يخدمون في المعبد
المجموعة الثالثة تضم عمال المناجم والمحاجر
أما المجموعة الأخيرة (موضوع المقال) كانت أعلى شرائع العمال من حيث المكانة والتنظيم، لكونها تحت الرعاية المباشرة لعمدة المكان والذي يعتبر ممثل شخصي للملك ولم تشهد أي فئة من فئات المجتمع الدنيا نصيب من التدليل الذي تمتع به مجتمع العمال والفنانين في غرب طيبة رغم دورهم الهامشي في العملية الإنتاجية

لدرجة أن الملك رمسيس الثاني خصهم بالمديح في خطاب مطول دون بالخط الهيروغليفي في العام الثامن من حكمه على جدارية يبلغ طولها ما يزيد عن مترين وعرضها متر تقريبا عُـثر عليها عام في بداية القرن الماضي في منشية الصدر جنوب هليوبوليس، وفيها يتناول النص ثلاث موضوعات، الأول مقدمة تمهيدية عن رمسيس الثاني الذي وجد قطعة ضخمة من الحجر أثناء زيارته لمعبد رع حرختي وباقي معابد هليوبوليس فيعهد بها للعمال المهرة لصنع تمثال له وقد تم العمل بدقة بعد عام ولهذا يتوجه الملك في الجزء الثاني من النص للعمال بالمديح بعد أن كافأهم بالذهب والفضة

مع بداية عصر الدولة الحديثة حدثت نقلة نوعية في بناء المقابر الملكية فلم تعد تبني فوق سطح الأرض، أهرامات كانت أم مصاطب وملحقة ببئر يقود لحجرة الدفن بل بنحت المقبرة بكاملها في جوف هضاب وجبال غرب طيبة، وتطلب ذلك بناء مدينة كاملة لسكن العمال والفنانين هي أقرب لمعسكر العمل يطلق عليها اليوم دير المدينة وسبب التسمية يرجع لوجود معبد من العصر البطلمي استخدم في العصر القبطي المبكر كدير للرهبان
وقد ظلت هذه المدينة المعسكر تقوم بدورها ما يزيد عن أربعة قرون أي من بداية عصر الأسرة الثامنة عشر (1551 ق.م) وحتى نهاية الأسرة العشرين (1080 ق.م) مرت خلال هذه الفترة بمراحل ازدهار ومراحل انحطاط، وتعرض عمالها لمحنة التهجير إلى تل العمارنة أثناء حكم اخناتون، كما أنها شهدت أول إضراب في التاريخ إلى جانب أنها زودتنا بمادة غزيرة عن الحياة اليومية وطريقة تنظيم العمل والتي بلا شك تلقى بعض الضوء عن سير الحياة في المشتركات الأخرى

دير المدينة
كان يطلق على مكان إقامة العمال في غرب طيبة لفظ ” با دمي” أي المدينة أما لفظ العمال في المصرية القديمة ” رمتش باك” رمتش بشكل عام تشير إلى البشر وهنا بمعنى” أهل ” ثم أصبحت “رومى” في القبطية وتشير إلى الرجل، أما باك فهي تشير لفعل العمل وأصبحت في القبطية بوك وكان يطلق على العامل في غرب طيبة لقب عامل في مكان الحق
وقد بُـني أقدم جزء من المدينة في عصر الأسرة الثامنة عشر وأحيط بسور ضخم من الطين ويحمل ختم الملك تحتمس الأول، ومع تزايد حركة الإنشاء في عصر رمسيس الثاني تم توسيع المدينة باتجاه الجنوب لتستوعب المزيد من العمال وحملت التوسعات ختم الملك

المدينة محاطة بسور ضخم من اللبن ولها مدخلين الأول في الجهة الشمالية والثاني في الجهة الغربية، على كل منهما نقطة بوليس لمراقبة حركة الدخول والخروج، يقطعها شارع رئيسي يبدأ من البوابة الشمالية ويمتد للجنوب
على جانبي الشارع حوالي 70 منزل من الطين المطلي بالجير، ولون مدخل البيت باللون الأحمر وكتب على الباب أسم صاحبة …يضم المنزل من ثلاث إلى خمس غرف على مساحة تتراوح ما بين 60 و70 متر مربع، لكن هناك حالة نادرة وهي المنزل رقم 7 حيث بني على مساحة 120 متر وكان يخص رئيس العمال ” قاحا” في عهد رمسيس الثاني


للمنزل باب خشبي يطل على الشارع الرئيسي يفضي لأولى الحجرات وهي حجرة النوم (مبررات وجود حجرة النوم خلف باب المنزل مباشرة غير معروفة) والتي تضم سرير مبني من الطين يعلو الأرض حوالي متر للحماية من الحشرات وهناك عدد من الدرجات تستخدم كسلم للصعود. يلي حجرة النوم حجرة المعيشة وهي أكبر حجرات المنزل يتوسطها عمود لدعم السقف وتضم مصطبة من الطين للجلوس

ثم تليها حجرة صغيرة تستخدم للحيوانات الداجنة ثم حجرة الخبيز والتي تضم فرن وهي غير مسقوفة للتخلص من الدخان ومنها ينطلق سلم يقود إلى السطح الذي كان يستخدم كمكان لتجفيف البلح إلى جانب وظيفته المحببة لدى المصريين وهي قعدة العصاري والسمر في ليالي الصيف الحارة. وللتحايل على ضيق المكان حفر العمال حجرات جانبية في جسد سور المدينة الضخم كانت تستخدم للتخزين


الحياة اليومية
كان للبوليس نقطتي حراسة على مدخلي المدينة الشمالي والغربي يتبادل فيها الحراس العمل في ورديتين كل منها 12 ساعة وكان من مهامهم إلى جانب حفظ الأمن وحماية المدينة وتدوين كل كبيرة وصغيرة كان لهم الحق التدخل لفض المنازعات. ولتأمين الحياة داخل المدينة جٌهزت بوحدة إسعاف، وورش للصيانة إلى جانب جيش آخر من الخدم لتزويد المدينة بالخضراوات والماء والأسماك إلى جانب غسل ملابس العمال
من بردية كتبت في عصر رمسيس الثالث قائمة طويلة ضمت هؤلاء الخدم المعينون من قبل الدولة لتصريف شئون العمال قسموا وفقا لمهامهم: اربعة وعشرون سقاء، اربعة عشر حطاب، اثنى عشر جنايني، ثمانية من الخزافين، وثمانية للقيام بغسل ملابس المفارقة إن في زمن كتابة هذه القائمة لم يكن يزيد عدد الأسر في المدينة عن 40 في حين وصل عدد الخدم إلى ثمانين عنصر، كان أيضاً لكل عامل وأسرته خادم على الأقل نظير أجر معلوم


المهام
بعد دفن الملك السابق يعلن للعمال عن اسم الملك الجديد وعلى التو يبدأ العمل في بناء مقبرته وقد جرت التقاليد أن يستمر العمل في المقبرة طالما الملك على قيد الحياة وهذا ما يبرر تفاوت المقابر من حيث الحجم والطول والعمق وعدد الحجرات وكثافة النصوص، وعند وفاة الملك يبلغ العمال بذلك لإنهاء المقبرة بسرعة في فترة التحنيط وهذا أيضاً ما يبرر عدم اكتمال عدد من المقابر أو ترك أخر جزء فيها بدون تلوين أو تنعيم للجدران، وبعد دفنه تعاد الدورة، وهكذا ظل بناة المقابر الملكية في دير المدينة قرون طويلة على هذا المنوال


تقسيم العمل
كان الشهر مقسم إلى ثلاث وحدات (أسبوع !) كل منها عشرة أيام، منها ثمانية للعمل ويومان للراحة
مع بداية الأسبوع يترك العمال المدينة للعمل ولا يبقى فيها إلا النساء والأطفال والشيوخ وغير القادرين على العمل، والمتغيبين بعذر مقبول وقبل المغادرة يتم إحصاء عددهم وتقسيم العمل وتسليمهم أدوات العمل ثم ينطلقون صوب المقابر الملكية بتسلق جبل بارتفاع 80 متر يفصلهم عنها. وهناك يقيمون في بيوت من الطين بجوار المقابر لمدة ثمانية أيام على أن يعودوا إلى أسرهم في عطلة نهاية الأسبوع ولكي لا يصلوا لبيوتهم في الليل كان العمل في اليوم الثامن يختصر لمنتصف النهار وفي أحيان كثيرة كان يسُـقط من أسبوع العمل بسبب زيادة الغياب


كان العمال يقسمون إلى مجموعتين، واحدة للعمل في الجهة اليسرى للمقبرة ومجموعة للجهة اليمنى، لكل منها قائد لا يتمتع بأي مزايا مادية تنحصر مهمته في ملاحظة العمال. يعاونه مسئول المعدات الذي يقوم بتسليم كل عامل أدواته صباح كل يوم واستعادتها آخر النهار، إلى جانب كاتب يقوم بتدوين عهدة كل فريق من الأدوات وكل صغيرة وكبيرة تحدث أثناء العمل، إلى جانب عمله الجانبي الغير رسمي بتحرير الخطابات وعقود الإيجار للعمال. ويقود العمل ملاحظ أخر يسمى ” إمي را إيستي” أي قائد طابوري العمل


الأجور
الاستنزاف المستمر للمشتركات وسمة الاكتفاء الذاتي ساهما بدور كبير في ثبات المشتركات وخمولها وتسبب في تأخر ظهور الأسواق وبالتالي النقود كأداة للتبادل وثبات القيمة الاستعمالية للسلعة وكبح تطور عملية التبادل من المقايضة إلى التبادل السلعي، حتى بعد ظهور الشكل الجنيني للنقود في صورة قطع من الذهب والفضة ظلت محصورة في قياس للقيمة في عملية المقايضة. فقد كان عمال المدينة يحصلون على أجورهم في صورة عينية (في أغلب الأحيان كمية من القمح) يستخدمونها بعد ذلك في المقايضةلم تكن ثمة تفرقة في المقابل العمل بين العمال فقد كان الجميع يتقاضى نفس المقابل حتى ملاحظ العمال


مبررات الغياب عن العمل والعطلات الرسمية
لا شك كان العمل في نحت المقابر شاق ويتم في شروط غير إنسانية بمقاييس منظمة العمل الدولية اليوم لكن في المقابل تمتع العمال بمزايا لا تجرؤ أي نقابة بالمطالبة بها وبشكل خاص فيما يتصل بمبررات الغياب عن العمل
فمن حق العامل التغيب عن العمل بشرط تقديم العذر المناسب وكانت هذه الأعذار التي وصلتنا من واقع التقارير الرسمية فضفاضة ومرنة مثل مرض العامل أو أحد أفراد أسرته، المساعدة في إعداد البيرة احتفالا بالأعياد أو زواج الأبناء، كما كان السكر مبرر للغياب عن العمل، ميلاد طفل جديد في العائلة، وفاة أحد الأقارب، زواج الأبناء، القيام ببعض الإصلاحات المنزلية أو مساعدة أحد أفراد الأسرة أو الجيران في أعمال المنزل، زيارة المعبد لتقديم القربان، زيارة الوالدين كذلك كان تغيب العامل والمكوث بجانب زوجته أو أبنته التي تمر بالدورة الشهرية عذراً مقبولاً وكان كاتب الأنفار يدون أسماء العمال الحاضرين في الحضور والانصراف، إلى جانب كشف بأسماء المتغيبين وسبب الغياب، ومن هذه القوائم نقرأ ما دون في عصر الأسرة التاسعة عشر
في العام الثالث، الشهر الرابع من شهر التحاريق، اليوم السابع والعشرون
ملاحظ العمال نفر حتب: مريض
نب ن نفر أبن واد مس: مريض
نب نفر أبن ناخي: مريض
إمن أبن إبرت: ذهب للمساعدة في تحضير البيرة في معبد حتحور وقد استمر غياب هذا العامل عدة أيام لكونه عاد من المعبد في حالة سكر شديد
رع حتب: مريض
نب نفر: مريض
نب نفر (آخر): مريض
رع حتب: مريض
أبن داو: ذهب لتقديم قربانً للربة حنوت محت
إمن حتب: شرحه
الرسام نفر حتب: يحتفل بعيد ميلادة


أما العطلات الرسمية فهي دينية في الأساس بلغ عددها حوالي 25 عيداً وبلغ عدد أيام العطلات حوالي 42 يوم فلم يخلو شهر واحد من أحد الأعياد الرسمية والتي تستمر من يوم إلى ثلاث أيام


نساء المدينة
لم يختلف وضع المرأة في مدينة العمال عما هو سائد في المشتركات القروية فقد كان الدور الاكبر لها في رعاية الأسرة إلى جانب مشاركة الرجل العمل سواء في الحقل أو في ورش العمل اليدوي فلم يقتصر العمل في مقابر ومعابد طيبة على الرجال فقد شاركت النساء الرجال العمل فمن شقفة تضم قائمة بأسماء العمال تعود لعصر رمسيس السادس نجدها تضم ستة عشر عاملاً وستة وأربعين عاملة
يبقى سؤال حول نوعية العمل الذي قمن به، يعتقد أنه كان محصوراً في نقل بقايا الحجر والتراب الناتجة عن الحفر والبناء إلى جانب إعداد الطعام، لكننا لا نستبعد أن سبب أخذ هذا الكم من النساء إلى مكان العمل هو الخوف عليهن حيث تنامت هجمات البدو على المنطقة وتراخت رقابة الدولة وتراجع دورها في التنظيم


شكاوى العامل الفصيح
وصلنا عدد من شكاوي العمال ينتقدون فيها المعاملة السيئة التي يلاقونها من رؤسائهم، بعضها مختصراً دون على شقفة حجرية والآخر مطول على ورق البردي وأمامنا مثالين من عصر الأسرة التاسعة عشر، الأول خطاب مرسل من الرسام ” با رع حتب” لرؤسائه يحتج فيها على سوء المعاملة، النص نشره ” تشرني” تحت رقم 303 في كتالوج شقفات من دير المدينة، الجزء الرابع
حدث أنه في عصر سيتي الثاني أن مات ” نفر حتب” رئيس العمال ولم يكن له أبن يرث مكانه وحاول أخوه” أمون نخت” شغل الوظيفة ورغم أن العرف كان يسمح بذلك لكن تدخل أحد العمال يدعى ” با نب” وسلب حق” أمون نخت” في الوظيفة برشوة عمدة المدينة. وبعد أن عين رئيساً للعمال أظهر نشاطا وحزما في العمل لكنه في نفس الوقت كان مثالا للمجون والقسوة فقد كان يتحرش بنساء المدينة ويبالغ في العنف ضد زملائه. فقرر ” أمون نخت” صياغة شكواه وتقديمها لعمدة المدينة وفيها قائمة طويلة بجرائم ” با نب”
وبعد وفاة الملك سيتي الثاني تم عزل ” با نب” وأعيد ” أمون نخت ” لمنصبة والبردية تحمل اسم ” بردية هنري سالت” نسبة إلى مالكها الأول وهي محفوظة حالياً في المتحف البريطاني تحت رقم 10055القصة التي يرويها ” أمون نخت” تبدو في بعض مواضعها وكأنها صراع عائلي على إرث الوظيفة إذ ربما كان با نب أبناً لـ ” نفر حتب ” بالتبني
فقد لجأ بعض العمال الذين لا وريث لهم للتبني كي تستمر إقامة العائلة في دير المدينة


وقائع أول إضراب في التاريخ
وقع هذا الإضراب في العام الثلاثين من حكم رمسيس الثالث ثاني ملوك الأسرة العشرين والذي حكم مصر من عام 1187 إلى عام 1156 قبل الميلاد أي قبل وفاته بزمن قصير. لم تكن الأحوال آنذاك بعيدة عما يحدث في مصر اليوم، فقد وهنت الدولة، وزاد التدخل الأجنبي، ونهبت المخازن من قبل حكام الأقاليم، ووقفت الحكومة عاجزة عن حماية حدود البلاد من هجمات قطاع الطرق من بدو ليبيا، وفي ظل هذه الأجواء نهبت مستحقات العمال من مخازن الدولة وتعرضوا للجوع،وأرسلوا الرسائل تلو الرسائل يشكون الفقر والجوع، ولم يكن أمامهم سوى التوقف عن العمل والتظاهر، كان هذا الإضراب بمثابة المشهد الأخير فبل انهيار حكم الرعامسة ونهاية الحكم الفرعوني التقليدي وتمزق البلاد ثم وقوعها فريسة الاحتلال الأجنبي.. الطريف أن العمال خرجوا بزوجاتهم وأولادهم وقد تكرر هذا المشهد في اضراب المحلة الأخير


وصلتنا وقائع هذا الإضراب من وثيقة حكومية مدونة على ورقة بردي طولها 91 سنتيمتر (محفوظة بمتحف تورين، شمال إيطاليا) دونها الكاتب ” نفر حتب ” المسئول عن متابعة تسليم مستحقات العمال في شكل تقرير رفعة للوزير ” تا” في طيبة، جاء فيه أن مستحقات العمال التي كانت تصرف من مخازن الغلال قد توقفت، وأنهم أي العمال في بؤس شديد وعلى حافة الموت جوعاً
ثم يعود الكاتب نفر حتب للكتابة مرة أخرى للوزير يخبره أن العمال تزمروا من عدم صرف أجورهم وأن الكاتب امون نخت قد تقدم بشكوى للمسئولين في معبد حور محب بتأخر وصول مستحقات العمال لأكثر من 23 يوم، ويرسل العمدة جزء يسير من القمح لكن لم يكفي لوقف تزمر العمال، فتركوا مكان العمل وتجمعوا أمام معبد تحتمس الثالث وتظاهروا احتجاجا، وخرج لهم مسئولي المعبد ووعدوهم بحل المشكلة وعاد العمال لبيوتهم


وفي اليوم التالي لم يستلموا شيئاً فتركوا العمل ثانية وتجمعوا أمام معبد رمسيس الثاني وتظاهروا من جديد، ومع توتر الأمر، ذهب رئيس البوليس هناك لمقابلة عمدة طيبة في البر الشرقي لطلب المساعدة، ويعده العمدة بالمساعدة، وبالفعل بعد عدة أيام استطاع عمدة المدينة تدبير حصة من القمح لكل عامل وبعد أن نفذت تذمر العمال مرة أخرى
وهنا وقع ما هو غير متوقع، إذ انضم رئيس البوليس لجموع العمال قائلا لهم: أقول لكم رأي، خذوا أدوات العمل، أغلقوا منازلكم، وأجمعوا نسائكم وأطفالكم، وأنا نفسي سأتقدمكم وسنذهب للاعتصام أمام معبد سيتي الأول، وبعد هذه التظاهرة استلموا حصة من الطعام وساد هدوء نسبي لم يدم طويلاً، فقد اضرب العمال مرة أخرى واعتصموا جالسين على الأرض أمام المقابر الملكية، ويقوم أحد العمال يدعي” مس عا نخت ” ويتطاول بالكلام على الملك فيتعرض للعقاب بالضرب من الإدارة لتطاوله على الذات الملكية، ثم يتسع الإضراب وتزداد المطالب التي تعدت حصة الطعام، بل تناولت الشرور التي تحدث في غرب طيبة، مع الأسف لم يفصح كاتب البردية بالمزيد حول هذه الشرور


وتتطور الأمور بحضور الوزير بنفسه. وبعد ايام يتسلم كل عامل كيسين من القمح وعندما حاولوا رغم ذلك مواصلة التظاهر بتحريض من أحد العمال يعى ” خونسو” تصدى لهم أحد الكتبة، ومنعهم من الوصول للنهر. وبعد فترة هدوء نسبية قام العمال بالإضراب مرة اخرى وتظاهروا هاتفين: نحن جوعى، نحن الجالسين خلف معبد مر ن بتاح، ونادوا على العمدة فأرسل لهم خمسون كيس من القمح من عهدته حتى ينظر الملك في أمرهم، وفيما بعد أعيد تنظيم توصيل مستحقات العمال ولكن بعد ذلك بعام تجدد الإضراب، ثم مرة أخرى في عهد رمسيس الرابع، وبعد مرور خمسين عام على الإضراب الأول تجدد مرة أخرى لكن هذه المرة كان أكثر عنفا ضد المسئولين

Advertisements