مفهوم العمل

عمل (شغل)

فرنسية: Travail

انكليزية: Labour, Work

ألمانية: Arbeit

1/ احتلّت مسألة العمل، في مخطوطات 1844، موقعا أساسيا في صميم الخطاب الاقتصادي الفلسفي لماركس الشاب الحائز على إرث ثلاثي المصدر: الفلسفة الهيغيلية والاشتراكية الفرنسية والاقتصاد السياسي الانكليزي. وقد طبّق ماركس على العمل مقولة الاستلاب المأخوذة مباشرة عن فيورباخ. وهو يرى أنّ العمل يعني استلاب ماهية العامل ذاتها وذلك باعتباره المسار الذي ينتج، بفضله، الإنسان نفسه، منتجا خارج ذاته شروط وجوده، أي فئة الأجراء التي تجعل من المنتوج ملكا للرأسمالي وتحوّله إلى رأس مال هو عبارة عن قوّة غريبة ومعادية.

وقد وضع نصّ آخر كتب 1844 تحليل العمل في مستوى اشمل للإنتاج البضاعي بصفته تلك، هذا الإنتاج المدرك بوصفه علاقة خارجانية وعدائية بين عمّال متنافسين، وبوصفه تبعية الفرد إلى الهياكل الاجتماعية. ومن منظور علم الإنسان (الأنثروبولوجية) لدى فيورباخ، حيث يعني تحديد الذات كفرد اعتبار الفرد نفسه جنسا بشريا مع اعتبار غيره، غاية، فإن الملكية الخاصة تبدو كعائق لإنتاج مطابق للطبيعة الحقَّة وللـ «اجتماعية» (Gemeinweser) الإنسانية الأصيلة.

بالنسبة إلى هذه المقاربة المتميّزة بمجرّد مزاوجة بين المقولات الإنسية الفلسفية (التي ندرك بسهولة أنّها نسخة من مواضيع لاهوتية قديمة) والمفاهيم الاقتصادية للمدرسة الكلاسيكية، فإن مؤلَّف الإيديولوجية الألمانية الذي نظر إلى العمل في إطار نظرية أنماط الإنتاج، أي من زاوية العلاقة بين القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج، شكَّل قطيعة حاسمة سمحت بتحليل خصوصية المسار الرأسمالي للعمل والنزعات الخاصة بهذا المجتمع. وقد رسم بيات 1848 والعمل المأجور ورأس المال (1849) خطوطها العريضة.

وفي الوقت نفسه، توضّح تأثير ريكاردو. فمقولة القيمة أصبحت، انطلاقا من بؤس الفلسفة، ترتكز، بصورة جليّة، على مدّة العمل الضرورية اجتماعيا. وبهذه الصفة، احتلَّت منذ ذلك الوقت موقعها كقاعدة لنقد للاقتصاد السياسي، الذي اتّخذ شكل نظرية. وقد شكّل هذا المشروع، منذ سنة 1857، في مخطوط الغراندريسه حيث عوّض مفهوم قيمة قوّة العمل عن مفهوم قيمة العمل اللاعقلاني. وهو ما سيتيح إمكانية تقديم متماسك لنظرية فائض القيمة. وبالإضافة إلى ذلك، فإن العمل المكوّن للقيمة قد حدّد في هذا المخطوط باعتباره عملا مجرّدا، وذلك بشكل أوضح من تحديد ريكاردو له. وستعرض المساهمة (1859) أوّل تحليل منهجي للعمل سيعتمده رأس المال بشكل واسع.

2/ إن القسم الأوّل من الكتاب الأوّل لرأس المال خصّص بالتحديد لوضع نظرية القيمة على قاعدة مدّة العمل بالمعنى الذي أشار إليه ريكاردو، أي ليس على قاعدة المدة الخاصّة بالمنتج الفردي أو بالمؤسّسة، بل على قاعدة كمية العمل الضرورية اجتماعيا، أي بمعنى تلك الكمّية الموافقة لمعدّل شروط الإنتاجية والمهارة والكثافة.

العمل الملموس والعمل المجرّد

لكنّ ماركس ابتكر عندما عرض بصفة أوضح الزّوجين عمل ملموس/عمل مجرّد. وهو يعتبر هذا الابتكار أحد إسهاماته الطريفة إذ يقول: «إني أوّل من أبرز هذا الطابع المزدوج للعمل المجسّد في البضاعة. ونظرا لكون الاقتصاد السيّاسي برمّته يحوم حول هذه النقطة، فمن الواجب علينا هنا أن نخوض في تفاصيل أدّق».

إن العمل الملموس أو النافع هو العمل الذي يعني قيمة استعمالية خاصة. وهو يفترض إذا مادّة وتقنية وأدوات خاصة، ويحتلّ موقعا محدّدا ضمن تقسيم العمل.

أمّا العمل المجرّد، فهو، على العكس من ذلك، يوافق، باعتباره أساس قيمة، ما هو مشترك بين كلّ الأنشطة المنتجة أي إنفاق قوّة بشرية. «إن كلّ عمل هو من جهة إنفاق، بالمعنى الفسيولوجي، لقوّة بشرية وهو يكوّن بصفته عملا بشريا متساويا، قيمة البضائع. ومن جهة أخرى، فإن كلّ عمل هو إنفاق للقوّة البشرية في هذا الشكل المنتج أو ذاك المحدّد بهدف خاص. وهو ينتج، بصفته عملا ملموسا ونافعا، قيما استعمالية أو منافع».

العمل البسيط والعمل المركّب

أوضح ماركس أنّ العمل المركّب (skilled labour) ليس سوى العمل البسيط المضاعف «بحيث أنّ كمّية معينة من العمل المركّب توافق كمّية أكبر من العمل البسيط».

وتجدر الإشارة إلى أن تفكير ماركس حول هذه المسألة اتسم بالتقلبات والتردّد. فالعمل البسيط الذي هو قياس القيمة مدرك في بؤس الفلسفة باعتباره نتيجة للنموّ الصناعي الرأسمالي. أما في المساهمة، فقد أُدرْك كسمة تسم أيّ مجتمع، ولكنّه يميّز العهد البرجوازي خصوصا. وفضلا عن ذلك، فهو يبدو كنمط وجود العمل المجرّد ذاته («إن هذا التجريد للعمل البشري العام موجود في العمل الوسطي الذي يمكن لأيّ فرد عادي من أفراد مجتمع معيّن أن ينجزه… إنه عمل بسيط»). وهذا ليس، في رأينا، أمرا سهلا بما أنّه يعني تغييرَ المفهوم وإعطاءه معنى تجريد حقيقي. وفي رأس المال نعثر، ما بين السّطور، على الغموض نفسه وكذلك المماثلة «عمل بسيط=عمل وسيط» التي تبرز الصّعوبات التي تطرحها مسألة الكمّية. وأخيرا، لا يبدو لنا أنّ مسألة اختصار العمل المركّب إلى عمل بسيط قد فضّت هي الأخرى بصفة صريحة، إذ أنها طرحت كمُصادرة. فالشارة التحليلية الوحيدة وردت في جزء الفصل الثاني عشر من الكتاب الأوّل المخصّص لفائض القيمة: «العمل ذو الإنتاجية الاستثنائية يعتبر عملا مركّبا، أو يخلق خلال مدّة معيّنة قيمة أكبر ممّا يخلقه معدّل العمل الاجتماعي من النوع نفسه». ولكننا ندرك أنّ الأمر لا يتعلق هنا بحلّ ملائم بصفة مباشرة لإعمال مختلفة الأنواع أو متباينة الفروع.

العمل: قياس القيمة وجوهرها

في حين اهتمّ ريكاردو أساسا بالقيمة النسبية أو المقارنة، فإن ماركس وجّه الاهتمام نحو القيمة المطلقة، أي نحو العمل ذاته الذي هو مقياس داخلي للقيمة، وذلك لأنه جوهر القيمة. وهذا يعني أنّ ماركس عندما اعتبر العمل المجرّد عنصر مجانسة للحقل اقتصادي سامحا بإدخال الحساب، فإن الإشكالية التي أثارها تعجز الاقتصادوية عن فهمها، لأنه فسّر العمل من الوهلة الأولى على أنّه علاقة اجتماعية حبلى بالتناقضات. ويبدو لنا أن مقولة «إنفاق قوّة العمل» تستتبع مقولة «استهلاك» قوة العمل من قبل الرأسمالي. ولهذا السبب، فضلا عن ذلك، وخلافا لما يحدث في النظام الريكاردي، فإن تحليل العلاقة الأجرية، بوصفها علاقة هيمنة، يندرج هنا في عرض النظرية بصفته إحدى لحظاتها الضرورية.

مسار العمل

افتتح القسم الثالث من الكتاب الأوّل بتحليل مطوّل لمسار العمل، بصفة عامة، المتكوّن من العناصر التّالية: «1- النشاط الشخصي للإنسان أو العمل بالمعنى الحقيقي للكلمة. 2- المادة التي يغيّرها العمل. 3-الوسيلة التي يستعملها العمل من أجل ذلك. وهذا المسار يهدف على الحصول على قيمة استعمالية خاصة بالاستهلاك أو بالإنتاج. وهكذا، فقد تمّ تعريف العمل بأنه مسار استهلاك منتج يخضع الإنسان بواسطته الطبيعة إلى حاجاته بفضل وسائل هي بحدّ ذاتها مصنوعة. هكذا، يمارس «العمل الحيّ» على العمل الميت. إن أهمية هذا التحليل تمكن خاصّة في كونه يظهر الفارق بين مفهوم العمل أو مفهوم الإنتاج بصفة عامة (إنتاج قيم استعمالية) ومفهوم الإنتاج الرأسمالي (إنتاج فائض القيمة) علما أنّه يجب فهم هذا التحليل في صيغ نمط إنتاج أي بفضل التحديدات الاجتماعية الخاصة به: ملكية وسائل الإنتاج وإدارة مسار الإنتاج من قبل المالك. إن المفهوم الأول يقتصر على ذكر الشروط المادية لكلّ حياة بشرية. أما الثاني، فهو مفهوم من مفاهيم المادّية التاريخية: إذ هو يسمح بتصوّر الشّروط التي ينمو في ظلها مجتمع محدّد. ففي نمط الإنتاج الرأسمالي تحديدا حيث يشكّل تراكم فائض القيمة منطقه، يعرّف «العمل المنتج» بأنه ذاك العمل الذي ينتج فائض قيمة. وهكذا، فإن هذا العمل يكتسب غائية مغايرة لغائية العمل بصفة عامة، وهي غائية تكتشفها التطوّرات الخاصة بالرأسمالية.

العامل الجماعي

قدّم القسم الرابع هذه العناصر لسوسيولوجيا تاريخية للعمل وخصوصا من خلال مفهوم العامل الجماعي (Gesamtarbeiter) الذي يشير في مختلف المراحل (مانيفاكتورة، صناعة كبرى…) إلى أنماط تقسيم العمل في المؤسّسة، وتنظيمه، وتسلسله التفاضلي، كما يدلّ على الميزات التي يسعى النظام إلى إضفاءها على مختلف فئات العمّال.

ولنضف أنّ كامل تحليل ماركس يطغى عليه الفصل من جهة، بين العمل الخاص حيث تكون وسائل الإنتاج ملكيةَ فرد (العامل نفسه أو الرأسمالي)، ويكون المنتوج هو أيضا ملكا لفرد، ولا يصبح اجتماعيا إلا بفضل توسّط التبادل الذي هو نظام يؤدّي إلى تحويل قوة العمل إلى بضاعة، كما يؤدي إلى كل تناقضات الرأسمالية. ومن جهة أخرى، بين العمل الاجتماعي بصفة مباشرة، القائم على الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج والذي عليه أن يسمح بتنظيم العمل ليلبي الحاجات الفردية والجماعية.

متعلقات: -استغلال، اغتراب، آلية، إنتاج، تايلورية، تقسيم العمل، رأسمال، رأسمالية، صناعة، فائض قيمة، قيمة.

المؤلف: غي كير ترجمة هادي بلحاج.

المؤلف: جاك بيديه

المترجم: هادي بلحاج

المصدر: جيرار بن سوسان و جورج لابيكا، معجم الماركسية النقدي ، دار الفرابي . بيروت ، لبنان ، من صفحة 947 إلى صفحة 9

Advertisements