الطبقات والصراع الطبقي

الطبقات والصراع الطبقي

مقدمة: إن التاريخ يصنعه الناس، وإن القوة الرئيسية الحاسمة في تطور المجتمع هي الشعب، أي الجماهير العاملة التي تشكل المصدر الفعلي للإنتاج، فالمجتمع ليس كلاً متجانساً، إنما يتألف من طبقات معينة ومراتب إجتماعية.

ماذا تعني الطبقات؟ وما هو دورها في التطور الإجتماعي؟

وحدها النظرية الماركسية اللينينية، عن الطبقات والصراع الطبقي، تملك الإجابة على هذه الأسئلة.

· جوهر الطبقات ونشؤها:

تعود نشأت الصراع الطبقي، بجذورها التاريخية الى ظهور الملكية. فمنذ تشكل المجتمع العبودي، وظهور الملكية الخاصة، إنقسم الناس الى طبقات، وبدأ الصراع الطبقي في المجتمعات. لذا ينبغي البحث عن الإنقسام الطبقي في الإنتاج المادي الذي هو أساس المجتمع.

· ما هي الطبقات؟

إن أشمل وأعمق تعريف للطبقات، هو التعريف الذي صاغه لينين في مؤلفه “المبادرة الكبرى” حيث كتب يقول: “إن الطبقات هي جماعات كبيرة من الناس تتميز من حيث مكانتها في نظام معين تاريخياً للإنتاج الإجتماعي ومن حيث علاقتها بوسائل الإنتاج، (هذه العلاقة مثبتة ومصاغة في القوانين بالقسم الأعظم منها)، كما تتميز من حيث دورها في التنظيم الإجتماعي للعمل، وبالتالي من حيث أساليب حصولها على الحصة الموضوعة تحت تصرفها من الثروة الإجتماعية ومقادير تلك الحصة”.

ويشير لينين في هذا التعريف الى أربع سمات للتفريق بين الطبقات:

1. مكانة الطبقات في نظام معين تاريخياً للإنتاج الإجتماعي.

2. علاقتها بوسائل الإنتاج.

3. دورها في التنظيم الإجتماعي للعمل.

4. أساليب حصولها على حصتها من الثروة الإجتماعية ومقدار تلك الحصة.

· كيف ظهرت الملكية؟

لقد بينت الماركسية أن ظهور الطبقات وتكونها قد حدثا لأول مرة في عصر إنحلال نظام المشاعية البدائي، حيث ارتبط ظهورها بمدى تطور القوى المنتجة، إذ نشأت الظروف الملائمة لإمكانية تراكم الثروات المادية وإمتلاك وسائل الإنتاج، فظهرت الملكية الخاصة التي ساعد ظهورها على التقسيم التقدمي للعمل وتنامي التجارة.

وبعد هذا، وبتطور الملكية الخاصة، تزايد التفاوت الإقتصادي بين الناس، وانتهت هذه العملية بظهور الطبقات المتعارضة والإستغلال. إن التعارض بين الطبقات في المجتمع هو الذي خلق صراعها القاسي. فأصبح هذا الصراع سمة هامة جداً لتطور الإنسانية على مر القرون.

ـ الصراع الطبقي ـ

مصدر تطور المجتمعات الطبقية المتناحرة

أشار ماركس وانجلز الى أن تاريخ المجتمع الطبقي المتناحر إنما هو تاريخ الصراع الطبقي. فالصراع بين المسْتغِلين والمسْتغَلين كان دائماً، والحرب بينهم مستمر، أحياناً ظاهرة وأحياناً مستترة. وهذه الحرب كانت تنتهي دائماً إما بإنقلاب ثوري يشمل المجتمع بأسره، وإما بإنهيار الطبقتين المتناقضتين معاً. (ماركس ـ أنجلز، بيان الحزب الشيوعي، ص 8، الطبعة العربية الصادرة عن دار الطبع والنشر باللغات الأجنبية ـ موسكو)

إن صراع الطبقات المتناحرة لا يقبل المصالحة، إنه ناشئ عن التضاد الجذري لوضعها الإقتصادي والسياسي في المجتمع. فالنضال ضد الإضطهاد وطموح المسْتغَلين الى حياة حرة سعيد كان طبيعياً ومشروعاً.

وهنا لا بد من الأخذ بعين الإعتبار بأن كل مجتمع طبقي يحوي طبقات رئيسية وأخرى غير رئيسية. إن الطبقات الرئيسية هي تلك التي ترتبط بوسائل الإنتاج السائد في مجتمع ما. ففي المجتمع العبودي ـ على سبيل المثال ـ نرى أن الطبقتين الرئيسيتين هما ملاكي العبيد، والعبيد، أما في المجتمع الإقطاعي، فالطبقتان الرئيسيتان هما الإقطاعيين والأقنان، وفي المجتمع الرأسمالي تظهر الطبقة الرأسمالية والطبقة العاملة كطبقتين رئيسيتين.

لكن الفئات الأخرى في تلك المجتمعات المتناحرة، فهي غير مرتبطة مباشرة بأسلوب الإنتاج السائد، وبالتالي ليس لها خطها الخاص في هذا الصراع، إنما تقف الى أحدى الطبقتين الرئيسيتين المتناحرتين وتدافع عن مصالحها.

إن الصراع الطبقي هو قوة محركة جبارة، وهو تطور المجتمع الطبقي المتناحر. فالصراع الطبقي، في المجتمع الرأسمالي، عامل جوهري لتطور القوة المنتجة. وتتألف القوى المنتجة من أدوات الإنتاج والناس الذين يستخدمون هذه الأدوات، ومع تطور هذه الأدوات التكنولوجي، يزداد الإنتاج كمّاً ونوعاً، وتتغير علاقات الناس في عملية الإنتاج التي تسمى علاقات الإنتاج.

الصراع الطبقي في المجتمع الرأسمالي

إن دراسة تاريخ المجتمعات البشرية، تبيّن ما للصراع الطبقي من أهمية كبرى في الحياة السياسية في المجتمع الطبقي المتناحر. فهذا الصراع هو الذي يولد التقدم الإجتماعي. فنضال الطبقة ضد البرجوازية المستغِلة، شكل مصدراً هاماً لتطور الرأسمالية، فتنوعت أشكال النضال وأصبحت أكثر تنوعاً…

· أشكال النضال الطبقي:

كل نمط من أنماط الإنتاج يشكل ظاهرة من ظواهر المجتمع، ونمط الإنتاج الرأسمالي كظاهرة يحمل في داخله طرفي نقيض أساسيين ونقائض ثانوية، وصراع هذه النقائض يولّد حركة تطوره، فكلما تطور النظام الرأسمالي المستغِل يتطور نقيضه أي الطبقة المستغَلة، وتصبح أشكال نضالها ضد الطبقة البرجوازية أكثر تنوعاً وأشد إحتداماً.

فهناك ثلاثة أشكال رئيسية لنضال الطبقة العاملة وهي النضال الإقتصادي والسياسي والإيدولوجي (الفكري).

· النضال الإقتصادي:

هو الشكل الأبسط والأقرب الى متناول جماهير العمال التي تسعى لتحسين وضعها المادي وظروف عملها. فالعمال بنضالهم الإقتصادي إنما يطالبون أرباب العمل زيادة الأجور وتخفيض ساعات العمل وغيرها من المطالب. وإذا لم تلب هذه المطالب، يعلنون الأحزاب، ويتظاهرون حيث تتنوع تحركاتهم. وبذلك يتنامى وعي العمال لمكانتهم في المجتمع ونضالهم الطبقي. ونتيجة هذا الشكل من النضال أي الشكل الإقتصادي، ظهرت التنظيمات العمالية الأولى مثل النقابات والتعاونيات وصناديق المساعدات المتبادلة.

لكن هذا الشكل يبقى ذو طابع محدود، وهو لا يمس جوهر النظام الرأسمالي أي الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، إلا أنه يرتقي الى شكله الأعلى أي الشكل السياسي.

· النضال السياسي:

هو الشكل الأرقى في عملية النضال، إذ يستهدف تحطيم النظام الرأسمالي القائم على الإستغلال من خلال الملكية الخاصة، وإقامة النظام البديل الذي يحقق المساواة والعدالة الإجتماعية. ولغرض الوصول الى هذا الهدف تشن الطبقة العاملة وحلفاؤها نضالاً سياسياً مستخدمة شتى الوسائل (الإضرابات، المظاهر السياسية، النضال السلمي في البرلمان ومختلف أشكال النضال)، من أجل إقامة دولتها، وتحقيق الإشتراكية.

· النضال الإيديولوجي (الفكري):

للنضال الإيديولوجي (الفكري) أهمية كبيرة في حركة الطبقة العاملة الثورية. وهو النضال ضد الإيديولوجية البرجوازية التي تسود المجتمع الرأسمالي، ومن أجل إنتصار إيديولوجية الطبقة العالة التي تعمل لتحقيق الإشتراكية.

إن تطور الرأسمالية يؤدي بالضرورة الى رص وتنظيم صفوف الطبقة العاملة. ولكن يتوجب على هذه الطبقة، لكي تحطم النظام الرأسمالي، ان تعد نفسها كطبقة أولاً، وأن تعي مصالحها الطبقية، ومهمتها التاريخية العظمى ثانياً.

وبهذا الهدف تحتاج الطبقة العاملة الى نظرية ثورية جديدة ألا وهي الماركسية ـ اللينينية. ولكن المهمة ليست في أن تعد نظرية ثورية بل يجب أن تدخل هذه النظرية وعي العمال.

فالنضال الأيديولوجي هو النضال ضد الإيديولوجية البرجوازية السائدة، ومن أجل استيعاب الوعي الطبقي من قبل جماهير العمال.

إن النضال الإيديولوجي (الفكري) هو كالنضال الإقتصادي ليس هدفاً في ذاته، بل هو خاضع للمهمات السياسية أي مهمات تحطيم الإستغلال، وإقامة النظام الإشتراكي. وهنا تظهر العلاقة بين النظرية الثورية والتطبيق العملي أي الممارسة العملية. وهنا تظهر أهمية الحزب الثوري.

· الصراع الطبقي في المجتمع الرأسمالي المعاصر:

إن الصراع الطبقي في العالم، في الزمن الراهن، إنما يجري في ظروف جديدة من المرحلة التي وصلت اليها الأزمة العامة للرأسمالية ولا سيما في نظام “العولمة”.

لقد تعمقت ازمة البشرية مع اتساع مساحة الإستغلال على الصعيد العالمي خاصة بعد انهيار منظومة البلدان الإشتراكية، حيث برز تسلط النظام الرأسمالي، الخاضع لهيمنة الولايات المتحدة الأميركية على العالم.

وما يؤكد عمق هذه الأزمة إنما هو تعمق التناقض الأساسي على الساحة العالمية، حيث يتمثل هذا التناقض بشكل مواجهة بين الإحتكارات الإقتصادية العالمية التي يهيمن عليها الرأسمال المالي المعولم والشركات المتعددة الجنسيات من جهة، وجماهير الطبقات والفئات الإجتماعية المستغَلة في العالم من جهة ثانية. وهذا يقتضي دراسة معمقة ووضع خطط لمواجهة هذه الظاهرة والتصدي لها.

القـوى المنتجـة

ـــــــــ

التعريف الأولي ..

يعتبر مفهوم القوى المنتجة من المفاهيم الأساسية في العلم الماركسي (منهجاً ونظرية). فهو يعبر عن التفاعل المتبادل بين الناس والطبيعة.

فاذا نظرنا في كتب التدريس والمعجمات المبسطة، سوف نجد تعريفات مختصرة ومتشابهة للقوى المنتجة من النوع التالي:

“القوى المنتجة، هي القوى المشاركة في تنمية الانتاج الاجتماعي، أي وسائل الانتاج والناس الذين يشغلونها ويطورونها.”

ثم سنجد في مكان آخر، ان وسائل الانتاج نفسها تتكون من وسائل العمل (أي الآلات والمعدات..)، ومواد العمل أو موضوع العمل (المواد الأولية التي يقع العمل عليها لتحويلها الى منتوج). وهكذا فان القوى المنتجة تتكون من ثلاث عناصر: وسائل العمل، موضوع العمل (وكلاهما يشكلان وسائل الانتاج)، والانسان (أو قوى العمل).

ولكن من أجل فهم أفضل لهذا المفهوم، لا بد من التعرف الى عملية العمل نفسها.

عملية العمل ..

عملية العمل هي التفاعل المتبادل بين الناس والطبيعة من وجهة نظر نشاطية الانسان الهادفة الى خلق مواد ضرورية لتلبية حاجاتهم. وبالتالي، فان عملية العمل، تفترض قبل كل شيء، وجود حاجات بشرية تدفع الناس الى التفاعل مع الطبيعة والتأثير عليها، من أجل خلق المواد الضرورية لاشباع هذه الحاجات.

وتنقسم عملية العمل الى المكونات الرئيسية التالية:

1. هدف عملية العمل: ان عملية العمل هي عملية واعية هادفة. وهو ما يفترض وجود تصور مسبق في ذهن الانسان عن حاجاته، وتخطيط لكيفية تحقيقها من خلال تحويل المواد الموجودة في الطبيعة. ومع تطور قدرات الانسان وتعقد حاجاته، يتطور هدف عملية العمل نفسها، ويتحول شيئاً فشيئاً الى توقع وتخطيط مسبقين للمنتجات التي تحقق هذه الحاجات، وبالوسائل والطرق الكفيلة بانتاجها.

2. موضوع العمل: هو المواد الطبيعية أو نصف المصنعة التي يجري تحويلها من أجل خلق المنتجات الضرورية لاشباع حاجات الانسان. (مثلاً: الأرض، الخشب، المعادن)

3. وسائل العمل: هي الأدوات التي يتم بواسطته التأثير على موضوع العمل من اجل خلق المنتجات الضرورية لتلبية حاجات الانسان. (مثلاً: الآلات الزراعية، الآلات الالكتروميكانيكية المباني والمنشآت).

4. اسلوب العمل: كيفية التأثير على موضوع العمل بواسطة وسائل العمل من أجل تحقيق هدف عملية العمل.

5. الانسان العامل: الانسان الذي يتحلى بقدرات ومهارات معينة تمكنه من وضع الهدف، والتأثير بوسائل العمل على موضوع العمل، من أجل تحقيقه.

6. نتيجة العمل: هدف عملية العمل بشكله المتحقق فعلياً، أي منتوج عملية العمل المواد الضرورية لتلبية حاجات الناس (مثلاً: المنتوجات الزراعية، الطاولات، السيارات).

ان تفاعل مكونات عملية العمل وتطوره يؤديان الى انقسام عملية العمل الى سيرورات مختلفة. سيرورة خلق موضوع العمل (مثلاً المعالجة الاولية للمعادن لتصلح موضوع عمل). سيرورة خلق وسائل العمل، سيرورة خلق المواد الضرورية لتلبية حاجات البشر، سيرورة خلق الانسان العامل، سيرورة وضع هدف العمل.

اذا ما نظرنا الى العمل من جانب نتيجة العمل، فانه يبرز كسيرورة مؤدية الى خلق المنتوج، أي أنه يبرز كعملية انتاج هي العملية الانتاجية. حينها وسائل العمل هي وسائل انتاج، وموضوع العمل هو موضوع انتاج، والانسان العامل هو المنتج، واسلوب العمل هو اسلوب الانتاج (بالمعنى الضيق للكلمة) وهدف العمل هو هدف الانتاج (ايضاً بالمعنى الضيق للكلمة). ان مكونات الانتاج هذه، هي القوى المنتجة.

اشــكاليـات: مفهوم القوى المنتجة ووقائع الثورة العلمية التكنيكية المعاصرة.

يطرح التطور العاصف الذي لحق بالعلوم والتكنولوجيا، ضرورة تعميق فهمنا للمفاهيم التي نستخدمها، وتطويرها لكي تواكب الواقع المتحرك. وفيما يختص بمفهوم القوى المنتجة، تثار بشكل خاص ثلاث اشكاليات هامة هي التالية:

1. الاشكالية الأولى تبرز اذا ما قارنا البنية العامة لعملية الانتاج بمكوناتها الرئيسية وظاهرة الأتمتة (AUTOMATISATION) المؤدية تدريجياً الى ازاحة العمل البشري المباشر من عملية الانتاج. فالسؤال الذي يُطرح هنا، حول الموقع الجديد الذي بدأ العمل البشري يحتله في عملية الانتاج. وارتباطاً بهذا، ما هي التغييرات التي قد تطرأ على بقية مكونات عملية الانتاج وعلى بنية هذه العملية اثر تغير هذا العنصر أو هذا المكون (أي العمل البشري)؟

2. الاشكالية الثانية المرتبطة أيضاً بوقائع الثورة العلمية التكنيكية هي واقعة استعمال اشكال الحركة غير الميكانيكية في عملية الانتاج، مثلاً الشكل البيولوجي للحركة. فهل يتلاءم تعريف البنية العامة لعملية الانتاج والقوى المنتجة مع مكونات وبنية عملية الانتاج البيولوجي الحديثة القائمة على علم الهندسة الوراثية ؟

3. الاشكالية الثالثة وهي اشكالية معاصرة ومستقبلية. فمن المعروف أن كارل ماركس قد تكلم عن العمل كوسيلة من أجل اشباع الحاجات الأولية وغيرها من الحاجات البشرية، كما تكلم عن العمل بذاته كحاجة “الحاجة الى العمل”، أي العمل كهدف، لا كوسيلة وحسب. فما معنى أن يكون العمل حاجة انسانية وبالتالي هدفاً؟ وكيف يتم الانتقال من العمل كوسيلة الى العمل كحاجة، الى العمل كهدف؟

المصادر:

1. المعجم الفلسفي المختصر دار التقدم، موسكو 1986.

2. مبادئ المعارف السياسية والاجتماعية العدد 24: ما هو..؟ معجم. دار التقدم، موسكو 1989.

3. الموسوعة الاقتصادية المنشورات الاجتماعية، باريس، ترجمة د. حسن الهموندي، دار الطليعة، بيروت 1980.

4. رأس المال، كارل ماركس.

Advertisements